الاثنين 2 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 فبراير 2003 تمتزج مشاعر الحزن والفرح عند مشاهدة حطام المكوك الأميركي كولومبيا متناثراً في سماء ولاية تكساس. هذه الأحاسيس المتضاربة تدفع صاحبها للتوقف على الفور ليبحث في أغوار ذاته أسباب الحزن والفرح في وقت واحد تجاه حدث معين والمتمثل في تحطم كولومبيا. وعند التوقف على أسباب الفرح على الفور تبرز في الذهن كلمة اسرائيل، فالعودة المنكوبة للمكوك كان على متنها أول رائد فضاء اسرائيلي وهو ايان رامون الذي أدخل الفرحة في قلوب الاسرائيليين كونه أدخل الكيان العبري عصر الفضاء. وخيّمت أجواء من الحزن والصدمة على الاسرائيليين أمس الأول باعلان وكالة الفضاء الاميركية (ناسا) مصرعه. هذا الحزن الذي تذوقه الاسرائيليون بتحطم حلم الفضاء لا يقارن بالحزن الذي يتجرّعه الشعب الفلسطيني يومياً على أيدي قوات الجيش الاسرائيلي والمستوطنين. فقوافل الشهداء الفلسطينيين مستمرة ويلحق بركبها كل يوم طفل أو صبي أو شيخ، لكن دون أن يتحرك الضمير العالمي ليوقف المجازر الاسرائيلية.. هذا وحده يكفي بأن يحرك مشاعر الفرحة في أي قلب ينبض بالعروبة والإسلام. والأمر لا يقتصر على ذلك، فرامون ترقى لرتبة كولونيل في جيش الاحتلال الاسرائيلي عام 1994 وسجله حافل بالاعتداءات على الحقوق العربية، حيث شارك رامون في ضرب مفاعل تموز النووي العراقي عام 1981، فقد كان حينها أصغر طيار في الفريق الذي اعتدى على العراق، وفي العام الذي تلاه شارك ايضاً في اجتياح لبنان وحرب 1973. ولعل أول مشاهدة لتحطم المكوك كولومبيا في بلدة فلسطين بولاية تكساس تذكر الشعب الاسرائيلي بمأساة الفلسطينيين اليومية والأحزان والدماء والمجازر التي يرتكبها جيش الكيان في الأراضي المحتلة. لكن لا يبدو ان الاسرائيليين (غالبيتهم العظمى) لديهم احساس بالآخرين ولا يبالون بالانسان الآخر ومعاناة جيرانهم أصحاب الأرض ويتضح ذلك جلياً من خلال التفافهم حول حزب الليكود بزعامة المجرم أرييل شارون في الانتخابات الأخيرة. كما جهد الكيان الاسرائيلي على استغلال حادث كولومبيا من أجل الترويج لمصالحه وتزييف الحقائق وتشويه صورة الفلسطينيين باستغلال مشاعر الحزن والصدمة لدى الشارع الأميركي، حيث استغل داني ايالون سفير اسرائيل لدى واشنطن خلال استضافته في محطات التلفزة الأميركية للتحدث عن حادث كولومبيا، لكنه تحدث عما وصفه بـ «وحشية الفلسطينيين» وتطرق في حديثه عن «القيم المشتركة» بين اسرائيل وأميركا كونهما تطبقان الديمقراطية و«تحترمان حقوق الانسان». فهكذا هي السياسة الاسرائيلية قذرة تستغل الآخرين من أجل مصالحها الدنيئة والتغطية على جرائمها. كل هذه الحقائق لابد أن تحرك مشاعر متناقضة لحادث كولومبيا الذي يمثل في واقع الأمر نكسة مؤقتة في مجال التطور والبحث العلمي وغزو الفضاء. فالتجارب والأبحاث والانجازات التي تحققها (ناسا) تعود بالنفع في نهاية الأمر على حياة الانسان والحضارة البشرية، ولا تقتصر على الأميركيين وحدهم. ولذلك تعتبر مأساة كولومبيا خسارة للجميع رغم الأحاسيس المتضاربة فأحر التعازي للشعب الأميركي وأقارب الرواد الأميركيين الستة، وليذهب رامون إلى الجحيم غير مأسوف عليه.