الاثنين 2 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 فبراير 2003 على امتداد مدن ساحل الامارات عاش جيل من الآباء والأجداد مرتبطاً بمياه الخليج، ونتيجة للأوضاع الاقتصادية التي طبعت مجتمع الكفاف ما قبل النفط، فإن ابناء البحر لم يتركوا حرفة إلا وانغمسوا في تفاصيلها وأتقنوها، ومع ان الموروث السائد في الذهنية القبلية العربية يقف معارضاً لذلك الاحتراف والعمل اليدوي لما فيه من دونية المستوى الاقتصادي، ولما يشير اليه من وضاعة المكانة الاجتماعية للفرد، إلا ان انسان الساحل الاماراتي، نفض موروث القرون ذاك وجدل مع أدوات البحر والصيد وأخشاب السفن والخيوط والأسلاك علاقة حرفية غاية في الاتقان والتماهي والجمال. أبناء ذلك الجيل من الذين دقّوا مسامير السفن التي جابت بحار العالم، وأسسوا هندستها وأشكالها وأنواعها، والذين تفننوا في صناعة الشباك وجففوا الأسماك على الشواطيء، وباعوا واشتروا، أبناؤنا هؤلاء دخلوا لفترة جاوزت العقدين في تيه النفط ورائحته وغازاته واستتباعاته، وقد قادهم ذلك التيه الى الوقوع في حلقات مفرغة قادت الأولى للأخرى وللأخيرة، حتى وجدوا أنفسهم أسرى أزمات وأوضاع غاية في الحرج والخطورة، وجدوا أنفسهم أقلية نادرة في بلادهم، ووجدوا أنفسهم أمام التحدي الأكبر: يكونون أو لا يكونون. فإذا كانت الجغرافيا قدراً كالتاريخ، فإن الهزيمة الحضارية ليست قدراً بل اختيار أو انصياع لقوانين الرفاهية وتسلط الأمم واستقواء الآخرين وانسحاب صاحب القضية من حلبة الصراع استهانة واستسلاماً، والوعي بهذه الحقائق هو الذي أوجد هذه اليقظة الواضحة التي نلمسها في أبنائنا من شباب الإمارات الذين بدأوا يرفعون صوتهم عالياً، مطالبين مسئوليهم ومجتمعهم وعائلاتهم بأن يفسحوا لهم المجال ليندفعوا في تيارات الحياة المتلاطمة حولهم، والتي تخلوا عنها طويلاً، ما جعل أمم الأرض تسحب البساط من تحت أقدامهم لتدعهم مجرد متفرجين على حركة التاريخ في مجتمعهم. اليوم نتابع وجود أبنائنا الشباب في كل الميادين التي ظلت عقوداً من الزمن حكراً على غيرهم، لقد كسر هؤلاء الشباب الصغار موروثاً قديماً ونهجاً خاطئاً اختاروه لأنفسهم طويلاً حتى اشتعلت النيران في بيوتهم!! فعرفوا مدى الخطر في أن يتخلى الانسان عن مسئولية القبض على أدوات الحراك الاجتماعي والحضاري في بلاده، ومن هنا تجدهم اليوم يتسابقون للحاق بما فاتهم عبر العديد من الأعمال والتوجهات والمشاريع الجديدة التي نتابعها. شبابنا أمانة في أعناقنا جميعاً: عائلات ومسئولين، آباء وأمهات وجيراناً واعلاماً، ولقد تهاونّا كثيراً في حقهم، وها نحن نشكو من أنهم لا يفعلون شيئاً سوى النوم حتى المساء والسهر طوال الليل، متسكعين في المراكز التجارية أو على مقاهي الشيشة أو في زوايا الضياع التي نعرفها جميعاً، انه ذنب المجتمع بأكمله، ولذلك وجب الاشادة بكل مشروع أو توجه يرمي الى انقاذهم ومد اليد لانتشالهم من هذا الواقع، من هنا كانت التحية التي وجهناها في هذه الزاوية بالأمس للشباب الذين انخرطوا في العمل في القرية العالمية. اليوم نوجه التحية لسبعة من الشباب الاماراتي المنخرطين للتطوع في مهرجان دبي للتسوق، وهؤلاء الشباب ذوو وظائف ومراكز جيدة، لكن روح التطوع لخدمة أحد المشاريع الاقتصادية الرائدة في مجتمعهم جعلتهم يبادرون للتطوع والانخراط بكل حماس وهمّة وتفان، ما يوجب الشكر لادارة المهرجان على فتح هذه القنوات والأبواب المضيئة أمام هذه الطاقات التي نتمنى تزايد أعدادها، فوجودهم في جميع الأماكن ونبض الوطن في وجوههم وأصواتهم وهمّتهم يفتح أمام القلب طاقات أمل في مستقبل أجمل. بقي أن ندعو كل الشباب للانخراط في أي عمل شريف يخدمهم ويخدم وطنهم، دون انتظار طويل للوظيفة الحكومية، ففي الحياة متسع وخيارات، والمشاريع الوطنية الجديدة تفتح الطريق لخيارات أوسع، كما نرسل الدعوة موصولة لكل الآباء والأمهات ألا يقفوا في طريق أبنائهم إذا وجدوا في أنفسهم قدرات وطاقات يريدون تفجيرها في حرف وأعمال لم يعتدها المجتمع ولا تصنع لصاحبها المكانة و(البرستيج) المطلوب، لكنها تصنع رجولته وذاته وكرامته.. فلا تقفوا في وجوههم، فالمستقبل لهم.. أما (البرستيج) فقد أشبعنا من فقاعات الهواء!!