الاثنين 2 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 فبراير 2003 عند منتصف القرن الماضي كان أبناء الريف في مصر يتواصون في رحلاتهم بين القرية والمدينة أو بين العاصمة في القاهرة وبين الضياع الصغيرة والدساكر والنجوع في الأرياف يقولون: اركب «الكافوري». ولم يكن «الكافوري» هذا سوى تسمية لسيارة عتيقة ذات رفائف من الجانبين كانت تمشي وئيدا في طرقات الأرياف المتربة أحيانا والموحلة أحيانا أخرى.. ان أصابها الاجهاد توقفت فاذا بالركاب ينزلون من فوق متنها كي يدفعوها خطوات أو أشبارا الى الأمام فربما يستعيد المحرك العجوز بعضا من قواه فاذا به ـ بحمد الله ـ يدور من جديد ولا كان «الكافوري» ماركة مسجلة ولا علامة تجارية لطراز من صنف السيارات بل كان احالة الى اسم تاجر مصري شاطر كان اسمه على ما نذكر هو هنري كافوري أفندي وكان التاجر من أوائل مستوردي السيارات التي عرفتها الشوارع والطرق في شمال وادي النيل..وكان قد سبقه مستثمر شاطر آخر اصطنع عربة كبيرة من خشب وحديد كانت تتسع بضع عشر من الركاب ويجرها جوادان ولها خطوط سير محددة ومحطات ثابتة ضمن شبكة مواصلات للنقل العمومي في شوارع القاهرة..كان اسمه الخواجة «سوارس» وقد ظلت عرباته تلك تؤدي خدماتها ربما الى عقد الأربعينيات الى ان اختفت لصالح الباصات.. وبدورها كان الناس يقولون عنها اركب سواريس وقد خلعوا على هذا الصنف من العربات اسم صاحبها أو اسم خطوطها. في ديوان العم بيرم التونسي قصيدة طريفة بعنوان «ركاب سوارس» يستهلها شاعر الشعب بافتتاحية توضح لك تواضع الاصول الطبقية لركاب سوارس التي تجرها الجياد أو البغال من حيث أنهم شلق هلافيت بمعنى ان تحذر سيادتك من ألسنتهم الحادة في حين ان العبد لله وهو الشاعر طبعا ابن حنت حنيت بمعنى انه واسع التجربة عميق الحنكة ، مقطع السمكة وذيلها كما يقول المثل الدارج..يقول بيرم: ركاب سوارس ـ بعيد عنكم ـ شلق هلافيت والعبد لله معاهم ابن حنت حنيت أول ما نركب يدور القفش والتنكيت وأن طالت السكة نحكي لبعضنا حواديت هكذا ينسى الناس اسم المبدع او التاجر أو المخترع بعد ان يستخدموا الاسم علما على الآلة أو الأداة التي يستعملونها. هكذا انتشر الكلاشنكوف في أيدي أصناف شتى من البشر..مدفعا يتمتع بكفاءة عالية من حيث دفعات النيران. كثافتها وانطلاقها حتى ليعد الكلاشنكوف بمثابة كلمة السر لدى حركات التحرير وأحيانا لدى عصابات قطع الطرق، وأحيانا أخرى لدى المتربصين بأعدائهم لزوم الأخذ بالثأر في حقول الذرة أو قصب السكر، ونادرا ما يتوقف الواحد منهم ليفكر في أصل تسمية المدفع الأوتوماتيكي الذي يحمله بين يديه ـ والحق ان التسمية ترجع الى مخترعه شخصيا.. السيد كلاشنكوف أو الرفيق سابقا ـ يعني في سالف الأيام السوفييتيةـ فقد كان كلاشنكوف مخترعا روسيا توصل الى هذه الآلة وربما أعطوه مقابلها مكافأة لا ندري كم حجمها..وأن كنا ندري ان الرجل كان يعيش حياة بسيطة ومات منذ سنوات شأنه في ذلك شأن مواطن سوفييتي أخر اسمه الرفيق «أنتينوف» وهو بدوره المهندس النابغة الذي استطاع ان يطور طائرة النقل الروسية الشهيرة التي ما زالت تحمل اسمه وربما اكتفى الرجلان من الغنيمة بحكاية الاسم هذه على المدفع والطائرة. فقد كان الرفاق السوفييت ـ على أيامهم يخلعون ما شاءوا من آيات الحمد والتكريم وشارات الاشادة والتمجيد وكانت كلها مكاسب معنوية أدبية لا تغني من مسغبة ولا تسمن من حرمان.. لا تؤدي ولا تجيب كما يقول المصريون..وحسب نوابغهم من أمثال كلاشنكوف أو انتينوف وغيرهم ان يفوزوا بشقة معقولة في احدى بنايات الدولة أو بمعاش محدد يصدق عليه عبارة الخليفة المأمون الشهيرة: «قليل دائم خير من كثير منقطع»..دع عنك ان يرتفع شأو التمجيد أيامها فيفوز المخترع أو المكتشف بوسام لينين أو يلقب بطل الاتحاد السوفييتي. أين هذه المعنويات والرمزيات من سيول الاموال الهائلة بالملايين التي ظل ينعم بها مخترعون ومكتشفون في الغرب ـ الأمريكي بالذات.. بمناسبة وعن غير مناسبة في بعض الاحيان.. ألم يكتشف القوم مؤخرا ان الهاتف ـ التليفون لم يسبق الى اختراعه السيد الكسندر غراهام بل (بكسر الباء) ، كما استقر على مدى قرن ويزيد في جميع الاذهان..بل كان المخترع شخصا آخر غيره ؟! ألم تطالب انجلترا مع مطلع العام الحالي بأن تشارك أميركا ـ على سن ورمح ـ في الاحتفال بالذكرى السنوية المئة ـ العيد المئوي على اختراع الطائرة ؟ ومرة أخرى فأصل الحكاية ان كل كتب المطالعة والقراءة وكل موسوعات العلوم ودوائر المعارف في العالم ظلت تقول بالفم المليان: أيها السادة ان اختراع الطائرة تم على يد اثنين من مواطني أميركا وهما الاخوان ولبور واورفيل رايت اللذان انجزا تحليق أول طائرة في التاريخ عام 1903. لكن ها هي الدوائر البريطانية تنشر في الأسابيع القريبة الأخيرة تحقيقا مهما يؤكد ما يلي على لسان جريدة «الاندبندنت» البريطانية: لقد أخطأت يد التاريخ حين ألقت بعباءة التكريم على كتف الاخوين رايت في أميركا والذي يستحق التكريم هو مواطن بريطاني من يوركشاير اسمه السيد جورج كايلي وقد سبق المخترعين الاميركان بنصف قرن..ففي عام 1853 (150 سنة) أطلق الوجيه الانجليزي الأمثل أول آلة طيران حديثة تحمل انسانا هو الحوذي ـ سائق العربات ـ الخصوصي للسيد كايلي ليكون أول طيار في التاريخ. صحيح ان العربجي اياه لم يقطع في أجواز الفضاء سوى 130 مترا فقط لا غير..وصحيح ان ساقه انكسرت في تلك المحاولة الرائدة وصحيح انه ما لبث أن ارتفعت عقيرته بالشكوى قائلا: يا ناس أنكم تستخدموني لكي أسوق لا لكي أطير..وصحيح ان الطائرة الانجليزية الأولى كان ينقصها الموتور القادر على ان يبقيها فترة أطول عن الزمن محلقة في الفضاء لكن الأصح من هذا كله ان ثمة مخترعاً بريطانياً هاوياً سبق منذ 50 سنة الى ارتياد صناعة الطيران وأن قومه يستعدون للاحتفال بهذه المناسبة في ديسمبر من عامنا الحالي..ولو على سبيل الانصاف التاريخي حيث لم ينل السيد كايلي عشر معشار ما ناله زميلاه من أميركا سواء من حيث آيات التكريم ولا طبعا من حيث أنهار الدولارات التي كانت تدرها على الفرد والورثة والذرية والاحفاد المستندات المسجلة من براءات الاختراع. بالمناسبة، يبدو ان الأميركان هم أصحاب هذا الشغف باطلاق أسماء الناس على المخترعات أو السلوكيات من باب الامعان في التبسيط وربما ورثوا هذا الشغف من تراث قواميس اللغة وسجلات المؤرخين..وعلى سبيل المثال.. كان المسيو جان نيكو توفي عام 60 هو أول من جلب التبغ وبالتالي عادة التدخين الى فرنسا وهو الذي أعطى اسمه الى مصطلح النيكوتين المتخلف عن عادة ـ هل نقول آفة ـ التدخين وفي حمى ثورة فرنسا الكبرى وقف الدكتور جوزيف اجناس جيلوتين يدعو في البرلمان الفرنسي الى معاقبة نبلاء الارستقراطية الفرنسية بقطع رؤوسهم بشفرة حادة ليكونوا عبرة للآخرين وافقت الجمعية الوطنية على الاقتراح ثم أطلقوا اسم النائب النحرير على آلة الاعدام وقبل ان يموت صاحبنا ـ ميتة طبيعية بالمناسبة في عام 1814 ـ حاول ان يمحو اسمه من على تلك الآلة الرهيبة المفصلة ولكن هيهات..ظل اسم الجيلوتين عالقا به وبها على مر التاريخ. قال الراوي: بعد وفاة الدكتور جيلوتين..قدمت عائلته شكاوى عديدة الى الحكومة الفرنسية لتغيير اسم المقصلة الى كنية فرنسية أخرى بدلا من ربط اسم العائلة المسكينة بقطع الرؤوس وسفك الدماء.. ولم تفلح جهودهم للأسف في تغيير اسم المقصلة وربما لم يجدوا سوى مخرج واحد من هذه المقصلة فكان ان غيروا اسم العائلة نفسها. وربما اختاروا لأسرتهم اسما من قبيل موربيه أو أندريه أودى شانسون أو أي اسم له جرس موسيقي رنان ومع ذلك فقد لا يعدمون من يشير اليهم بكل بنان فيصفهم في ثقة شديدة قائلا: هؤلاء بكل احترام هم عائلة أندريه أو دي شانسون جيلوتين سابقا