الاثنين 2 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 فبراير 2003 لا احد يطالب الدول العربية باطلاق تهديد بشن حرب عربية على اميركا لكن الانظمة الحاكمة العربية مطلوب منها على أقل وأدنى تقدير ان تفرض وجودها على الساحة الدولية على اساس قواعد لعبة المصالح.. لا على اساس استرضاء الولايات المتحدة بأي ثمن ولتنظر الدول العربية مليا في المثال التركي علها تستخلص منه موعظة. لقد كان امرا بدهيا ومفروغا منه ان تتوقع الولايات المتحدة في تركيا استجابة تلقائية عندما هبط الى انقرة مساعد وزير الدفاع الاميركي فولفتز قبل نحو ثلاثة اسابيع حاملا طلبا بأن تسمح السلطات التركية لنحو 80 ألف جندي اميركي بالانتشار في منطقة الاناضول الشرقية المحاذية لأراضي الشمال العراقي لكن مساعد الوزير الاميركي فوجيء بأن السلطات التركية تتحدث عن «شروط» وتبدي «تحفظات». ولو كان هذا الحزم التركي صادرا عن رئيس الوزراء وحده الذي يمثل حزبا حاكما ذا اجندة اسلامية واستقلالية لكان الامر قابلا للفهم، لكن الاعتراض صدر عن «مجلس الامن القومي» الذي تتشارك فيه العضوية الحكومة المدنية مع جنرالات الجيش الذي يشكل مرجعية الحكم النهائية. هذه هي تركيا العضو المخضرم في الحلف الاطلسي والتي تربطها مع الولايات المتحدة علاقة تحالفية وطيدة عمرها نحو نصف قرن، تستوحي مصالحها الوطنية فتخاطب الدولة الاميركية العظمى على اساس تكافؤ ندي، والدرس الذي يمكن ان تستخلصه الدول العربية هو انه بعد ان عاد مساعد الوزير الاميركي الى واشنطن وهو خالي الوفاض من اي وعود تركية، فان الادارة الاميركية لم يكن متاحا امامها سوى الدخول في مساومات تفاوضية مع الحكومة التركية للتوصل الى اتفاق يكون مرضيا للطرفين على حد سواء. وهذه المساومات التي لاتزال جارية هذه اللحظة ليست سهلة بالنظر الى طبيعة الشروط التركية، فما هي الشروط؟ اولا: لا تريد انقرة ان تنتشر قوات اميركية على الاراضي التركية، رغم انها لا تعترض على عبور هذه القوات الحدود الى الشمال العراقي، فالسلطات التركية تعلم ان هناك غليانا مكتوما في الشارع التركي ضد الحرب الاميركية المحتملة على العراق، وتخشى بالتالي من ان مشهد قوات اميركية داخل الاراضي التركية قد يكون مدعاة للاستفزاز على الصعيد الشعبي ربما يضاعف من حدة الغليان. وحتى انتشار قوات اميركية في الشمال العراقي الذي يقوم على ارضه حكم ذاتي للأقلية الكردية العراقية يتحفظ عليه جنرالات انقرة، لان اندلاع الحرب قد يغري اكراد العراق باعلان دولة كردية مستقلة مما سوف يكون له اصداء لدى الاقلية الكردية داخل تركيا نفسها، ولذا فان الجنرالات يطالبون ادارة بوش باعطاء «تعهد» بأنه لن تقوم للاكراد العراقيين دولة مستقلة. وتطالب تركيا ايضا الادارة الاميركية بتعويض مالي عن الخسائر التي سوف يمنى بها اقتصادها الوطني كنتيجة لتداعيات الحرب الاميركية على العراق فقد بات العراق حتى في وضعه الراهن سوقا للسلع التركية في اطار «برنامج النفط مقابل الغذاء» وهي سوق متنامية يمكن ان تجعل من تركيا شريكا تجاريا رئيسيا للعراق عندما ترفع عنه العقوبات الدولية. وفي سياق المساومات حول تقدير هذه التعويضات عرض الطرف الاميركي اربعة مليارات دولار رفضها الجانب التركي على الفور وحتى الآن رفعت الادارة الاميركية عرضها الى مستوى 14 مليار دولار.. ولايزال الجانب التركي يتحفظ طالبا المزيد. ومع هذا كله.. وحتى لو لبت واشنطن الشروط التركية فان السلطات التركية وضعت شرطين اضافيين نظير مشاركتها في الحرب الاميركية ضد العراق: اولا.. ان يبت في الامر البرلمان التركي الذي يتكون من اغلبية لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم لا تكن كثير ود للولايات المتحدة.. وثانيا ان يكون قرار شن الحرب صادرا عن مجلس الامن الدولي.. لا عن جورج بوش وحده. هذا الحزم التركي يشهد العالم فصوله المتوالية بين اخذ وعطاء مع الادارة الاميركية في الوقت الذي يشهد ايضا الدول العربية وهي تمارس لعبة العطاء دون اخذ، علما بأنه ليس في وسع الدول العربية ان تدعي ان وشيجة الصداقة التي تربطها مع الولايات المتحدة اقوى من التحالف التركي الاميركي. ولا نطالب الدول العربية بالاقتداء بفرنسا وألمانيا.. نطالبها فقط بامعان النظر في المثال التركي ولا نطالبها بتحكيم «الضمير العربي» او الانتصار لشعار «التضامن العربي» فقط نطالبها بأن تتبنى قواعد لعبة المصالح الدولية.