الاثنين 2 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 فبراير 2003 مئات التليفونات انهالت عليّ في أيام معدودة من اصدقاء وكتاب وصحفيين .. بعضهم يطمئن على انني مازلت حياً أرزق!! والبعض الآخر يهنئني على الموقف «الشجاع».. والبعض الثالث يقول لي: كيف واتتك «الجرأة» على أن تتحدث هكذا امام رئيس الجمهورية؟!! اما نهاية جميع هذه المكالمات فهي تدور حول سؤال واحد: ماذا قال لك الرئيس عندما اجتمع معك على انفراد؟!! وكان الرئيس في لقائه السنوي مع الكتاب والمفكرين المصريين والعرب في افتتاح معرض القاهرة للكتاب يوم الخميس 23/1/2003، قد منحني في نصف ساعة فقط اكثر من وسام!! الوسام الأول عندما وصفني ـ بعد ان تحدثت امامه ـ بالشجاعة قائلا: «أنت واخد حبوب الشجاعة». والوسام الثاني عندما شرفني سيادته بقوله: «أنا عايز اكلمك لوحدك عشان تطمئن»!! وكان هذا يعني انني سألتقي فوراً بالرئيس في لقاء خاص. والوسام الثالث كان هو حرص الرئيس ان يطمئن قلب شاعر.. يشعر باللهفة على مستقبل الوطن. وبالفعل التقينا لقاء جميلاً في صالون مغلق انتهى بأنني انشد قصيدة من اشعاري وكان جمهور هذه القصيدة هم الرئيس مبارك ورئيس الوزراء عاطف عبيد ووزير الاعلام صفوت الشريف ووزير الثقافة فاروق حسني والدكتور سمير سرحان رئيس هيئة الكتاب!! الاختيار وقبل أن اروي القصة كاملة أحب ان اذكر انني لم اكن أنوي الكتابة ابداً عن هذا الموقف.. وكنت مكتفيا باعتباره موقفاً انسانياً يضاف الى رصيدي من تلك المشاعر والخبرات التي تساهم في صنع صورة الانسان امام الآخرين أو تساهم في تشكيل فكرة الانسان عن نفسه. كنت اعتبرها «لحظة» لقاء بين حاكم وشاعر تكررت كثيراً على مدار التاريخ.. وربما لا يميز هذه اللحظة عن غيرها سوى أن احد اطرافها هو واحد من صناع الاحداث في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ مصر والامة العربية. ولكن حدث ان الصديق يحيى قلاش سكرتير عام نقابة الصحفيين اتصل بي بناء على اتصال العديد من الزملاء الصحفيين به ليطمئن على انني بخير وانني لا أواجه مشاكل من اي نوع بعد انتشار قصة الحوار في الوسط الصحفي والثقافي. وحدث ايضا ان اتصل بي الفنان سمير صبري ـ بعد ان علم بما حدث ـ يطلب مني رواية ما حدث من خلال برنامجه المتميز في قناة دريم الفضائية، وحدث ايضا ان الزميل مصطفى بكري كتب في جريدة «الاسبوع» واسعة الانتشار بضعة سطور تشير الى بعض ما تحدثت به امام الرئيس.. وقال في نهاية هذه السطور «فما كان من سيادة الرئيس الا ان التقى جمال بخيت بعد نهاية المعرض وطرح امامه الصورة كاملة». ومنذ ذلك الوقت وانا اواجه بأسئلة لا حصر لها من الاصدقاء والمعارف في مصر ومن خارج مصر حول ما دار... وعندما دعاني الصديق العزيز محمود سعد لاكتب هذه التجربة وافقت على الفور، اولا ليعلم الجميع انني بخير وثانياً لكي اضع بعض النقاط على بعض الحروف. والان إليكم القصة بالتفصيل.. اسف.. لن استطيع أن اروي القصة بالتفصيل فأنا لا املك نص الحوار الذي دار بيني وبين الرئيس في اللقاء العام امام حوالي خمسمئة من الكتاب والمفكرين والوزراء والمسئولين.. ولا نص الحوار الذي دار بيني وبين الرئيس في اللقاء الخاص الذي حضره المسئولون الاربعة السابق ذكرهم.. فدعونا نحكي القصة دون التزام بكلمة (بالتفصيل). المصير بعد حوالي ساعة كاملة من اجابات الرئيس مبارك عن الاسئلة المكتوبة التي وصلت الى المنصة قبل لقاء الرئيس لكلمته.. او فلنقل بعد ساعة كاملة من الصراحة الشديدة التي اتسمت بها ردود الرئيس على الاسئلة والمغلفة بالتعبيرات البسيطة التي اثارت ضحك الجميع.. (وقد قيل لي فيما بعد ان هذه هي الاجواء التي تسيطر على هذا الحوار سنوياً.. وان هذه هي طريقة الرئيس حين يكون في اللقاءات غير المنقولة على الهواء مباشرة). انتبه الرئيس الى رغبة البعض في التعليق على ما أثير من قضايا وكنت واحداً منهم.. فأشار الي لكي اتحدث.. وكان تساؤلي مغموساً بالهم والألم (ماذا لو أكل العراق.. وطلب لحم مصر؟!) ويبدو انني لمست وتراً مشدوداً في نفوس غالبية الحاضرين.. اي انني لم افعل الا انني وضعت «في كلمات» سؤالا يشبه الصرخات في نفوس الغالبية. ـ ما الجديد الذي أتيت به؟! ـ لا شيء !! سوى انني نقلت السؤال من الشارع المصري الى المسئول الاول عن أمن مصر. وكانت جميع استطراداتي بعد هذا تعني انني لا انتظر الاجابة من احد.. حيث انه سؤال لا يجب ان يجيب عنه فرد أو حزب أو حكومة.. انه سؤال ـ كما ذكرت ـ امام الرئيس يجب ان تشارك فيه جميع فعاليات المجتمع المصري.. لقد تساءلت بانفعال الشعراء: ماذا لو قررت الصهيونية الاميركية الاسرائيلية ان تدمر مصر بعد تدمير العراق.. تحت ادعاءات ان مصر لا توجد بها ديمقراطية أو انها تملك اسلحة الدمار الشامل.. ماذا نفعل؟! كان الرئيس قد ذكر في كلمته المكتوبة ان هناك حرب مستترة ضد العالمين العربي والاسلامي.. فتساءلت بصدق الشعراء ـ اذا صدقوا ـ هل هي حربا مستترة ام حرب معلنة؟! ثم اجبت انها حرب معلنة يقودها بوش.. هذا الذي تصفه المظاهرات في جميع انحاء العالم بأنه كالمجنون الذي يحمل قنبلة نووية. ثم تساءلت مرة اخرى: ماذا لو قرر هذا المجنون ان يلقي قنبلته على مصر ... ماذا نفعل؟! وقلت ايضا: اذا استبعدنا ـ مؤقتا ـ مسألة الأمن القومي العربي.. بسبب حالة التشرذم التي تسود عالمنا العربي.. فماذا عن الامن القومي المصري .. ماذا نفعل لحماية ابنائنا مما ينتظرنا وينتظرهم؟! قلت ضمن ما قلت: اننا نظلم الرئيس مبارك لو اعتبرناه المسئول الوحيد عن الاجابة عن هذا السؤال بينما هو مواطن من سبعين مليوناً مصرياً معنيين جميعاً بالاجابة. فالامن القومي المصري هو أمننا جميعا بلا استثناء. ـ ـ ـ اتسع صدر الرئيس لما قلته.. حتى انهيت كلامي كاملاً.. وهذا ما يدعوني الى القول ان الامر لم يكن يحتاج لحبوب الشجاعة.. ولكنني كنت قد تناولت القدر الكافي من عشق الصدق الذي هو واجبنا الاول تجاه حكامنا.. وخصوصا اذا كان من بينهم حاكم متزن لا يغضبه الصدق مثل الرئيس مبارك. ـ ـ ـ انتهيت من حديثي .. بعدها عاد الرئيس للرد على الاسئلة المكتوبة.. وعندما انتهى منها وانهى اللقاء.. نظر الى القاعة متسائلاً: فين الشاعر؟! فوقفت في مكاني.. فوجه لي الرئيس كلماته المبتسمة قائلا: «انت باين عليك واخد حبوب الشجاعة.. انا عايزك لوحدك.. عشان تطمئن».. بعدها دخل الرئيس الى صالون جانبي مغلق.. وعندما ذهبت اليه وجدت معه رئيس الوزراء ووزير الاعلام ووزير الثقافة ورئيس هيئة الكتاب.. استقبلني الرئيس بود شديد وصافحته بحرارة اشد.. وجلست على الكرسي الذي ترك خاليا على يمينه.. وقد دار كلامي مع الرئيس حول هذه النقاط: ـ ان جميع البسطاء يثقون في قدرته على العبور بنا من اية مخاطر. ـ انني واحد من جيل تربي على «شعارات» القومية العربية التي اثبتت الايام انها ليست شعارا بقدر ما هي ضرورة وجود. ـ ان القدرات العلمية لمصر وتطويرها الى اقصى حد امر لا يحتمل التأجيل. وقد طمأنني الرئيس مبارك الى الآتي: ـ ان مصر عندما تتحدث ينصت «الجميع» الى ما تقول.. ويضطرون في نهاية الامر الى تغيير مفاهيمهم المغلوطة عن الاوضاع في المنطقة.. ـ ان «امكانيات مصر» تظهر في الاوقات المناسبة.. وان أمن مصر القومي محفوظ وهو شغلنا الشاغل الذي لا نسهو عنه ابدا. ـ اننا ماضون في تطوير قدراتنا العلمية وان هذا شاغل اخر يدخل ضمن اهتمامنا بأمن مصر القومي.. ثم تدخل الدكتور سمير سرحان ليخبر الرئيس بأنني صاحب موهبة شعرية رائعة (على حد قوله) ثم طلب مني ان اقول.. قصيدة. فقلت للرئيس عندي مشروع مهم بعنوان «مسحراتي العرب». فداعبني الرئيس قائلا: بس رمضان فات!! (ضحكنا) ثم قلت للرئيس ان الواقع العربي يحتاج الى من يوقظ الناس على مدار العام.. فاسمح لي ياسيادة الرئيس ان اسمعك قصيدة عن عصر التنوير وعن رموز مصر في هذه المرحلة المهمة من تاريخها. وهكذا ترددت في اجواء الصالون ابيات الشعر.. ـ ـ ـ احتفى بي الرئيس شاعراً.. لكن اهم ما اثر في خلال هذا اللقاء هو ان ينشغل الحاكم بإدخال الطمأنينة الى قلب الشاعر.. وما اصعب قلوب الشعراء اذا كان هاجسهم هو أمن الوطن. ـ كاتب وشاعر مصري