الاثنين 2 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 فبراير 2003 «كلما تقدمت بك الحياة، تعلم كيف تحيا» سينيكا يقول روجر ميريل احد المؤلفين الثلاثة للكتاب الشهير «ادارة الاولويات»: في احدى الاستشارات التي قدمتها لشركة كبرى، منذ عدة سنوات، جاءت الفرصة للعمل والصداقة مع واحد من علماء النفس الذين يعيشون في مدينة نيويورك. كنا نحن الاثنين نعمل سويا، وكنت اسمعه يحكي كيف كان يجري تجاربه على الفئران في نموذج خشبي من الحارات المغلقة والمفتوحة، حيث يوضع الفأر في بداية النموذج والطعام في نهاية النموذج من الطرف الآخر، ثم يراقب الفأر وهو يمر من خلال النموذج باحثا عن الطعام حتى يجده. ويوما بعد يوم يتعلم الفأر كيف يختصر الطريق الى الطعام في وقت اقل ثم بعد ذلك يقطع الفأر الطريق دون عناء وخلال ثوان الى هدفه. ثم تأتي المرحلة الثانية من التجربة، حيث يضعون الفأر في النموذج دون طعام عن الطرف الآخر فيقطع الرحلة مرة بعد اخرى ولا يجد شيئاً. بعدها اوقف الفأر محاولاته على اساس انها غير مجدية. هنا يقول صديقي هذا: هذا هو الفارق بين الفأر والانسان، فالفأر يوقف المحاولة!! وفي تعليق روجر ميريل على هذه التجربة الخاصة يقول: «على الرغم من ان زميلي يحكي ذلك بتعليق مرح، الا ان هذه النتيجة مهمة وحقيقية الى حد بعيد. فكثيرا ما نكون ضحية العادات والاساليب القديمة التي لا تحقق الفائدة. ونظل نكررها مرات ومرات، نصارع نفس المشكلات ونقع في نفس الاخطاء. فنحن لا نتعلم من الحياة. نحن لا نتوقف لنسأل انفسنا ما يمكن تعلمه من هذا الاسبوع حتى لا يكون الاسبوع المقبل مجرد تكرار له. ومع نفس الاتجاه الذي ينادي بأهمية التقويم المستمر للانشطة المتنوعة التي يقوم بها الانسان وللتجارب التي يمر بها حتى يتجنب الاخطاء، ويركز على تطوير القدرات الخاصة في اصدار قرارات تنسجم مع الاهداف الشخصية، وترفع من مستوى الانجاز الى الحدود القصوى، يذهب احد الكتاب الغربيين الى تثبيت هذا المعنى الى المدى البعيد حين يقول: «كن يقظاً ان كان لك قلب نظيف، فشيء ما يولد داخلك مع كل فعل تأتيه». هذا القول الصريح يمثل دون شك رداً واضحاً على اولئك المتكئين على مقولة: «العبرة بنقاء القلب، اما السلوك فلا يكفي ليكون مقياساً للدلالة على باطن الانسان ومعدنه». فالكاتب في العبارة التي بين ايدينا يرى ان سلوك الانسان يؤثر على نفسيته، وان القلب النظيف يمكن ان يلوثه تصرف سلبي، او قول خارج عن حدود اللياقة والتهذيب. لكن ما يحمد للانسان اليقظ انه يقوم بمراجعة مستمرة لتصرفاته وأقواله، ولانه تعود على الوضوح الشديد، وعدم التحيز والدفاع الا عما يعتقده الصواب والحق فإن المراجعة والتقييم تكون ادوات فعالة لذلك الفرد المتمتع بذهن حاضر ونفسية تبحث دائماً عما يوصلها الى القمة مهما كانت نسبة المراجعات والتعديلات التي تتطلبها الخطوات القادمة. وقد كتب س. اس. لويس يوما هذه الكلمة التي تحمل ظلالا تعجز الكلمات عن تصوير قيمتها او وصف دلالاتها العميقة: «ما احبه بالنسبة للخبرة هو ان الخبرة شيء امين، فربما تحاول خداع نفسك، ولكن الخبرة لا تحاول ان تخدمك، فالكون يستجيب لك بأمانة كلما حاولت ان تختبره». تساند هذا الرأي مقولة سينيكا: طالما سارت بك الحياة، تعلم كيف تعيش؟. مجموع هذه الاراء المتميزة والجديرة بالاخذ بعين الاعتبار يشكل احد مباديء عملية التعلم الفعّال على اساس شخصي الذي قدمه بيتر سينغ من خلال العبارة التالية: «التعلم الحقيقي يأتي الى القلب حين يكون الانسان انسانا»!! من خلال التعلم نحن نطور انفسنا، ونصبح قادرين على فعل الاشياء التي لم يكن بمقدورنا عملها. ومن خلال التعلم تنمو طاقاتنا على الابداع وتصبح جزءاً من عملية الحياة المبدعة. ان داخل كل منا جوع هائل لهذا الشكل من اشكال التعلم. جودة الحياة اذن تتحقق من خلال تفعيل الرقابة الذاتية، والمواظبة على اجراء عمليات حصر وتقويم لكل قول وفعل. لله ما اعظمها من حياة!! وما اروعها من صورة يرسمها الانسان لنفسه ويجتهد في بلوغها حين يتفوق على ضعفه ويمارس نقدا ذاتيا لا يتحيز معه الا للخير الذي تعلق به، ورآه الخيار الاجدر بالانسان.