الاحد غرة ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 فبراير 2003 انه منظم الارهاب. إنه لا يعتمد عليه. إنه خارج اللعبة. إنه لا يمكن ان يكون شريكاً في المفاوضات. هذه هي خلاصة رؤية ارييل شارون للرئيس عرفات. وهي رؤية تتطابق معها رؤية الرئيس بوش. فمع من يقبل شارون التفاوض؟ أظن اننا في غنى عن القول بأن الزعيم اليميني الاسرائيلي لن يقبل بالتفاوض مع قادة فصائل المقاومة الفلسطينية. فإذا كان عرفات هو الذي «ينظم» العمليات «الارهابية» كما يقول شارون ومعه بوش، فإن فصائل المقاومة هي التي تتولى أمر تنفيذ العمليات. اين اذن تقف جماهير الشعب الفلسطيني نفسه؟ اي فلسطيني اما ان يكون من انصار عرفات او من انصار قادة الفصائل، ويكون مناصراً لكليهما دون ان يجد غضاضة او يستشعر ازدواجية في ذلك، اذن.. وبناء على منطق شارون ـ بوش فإن الشعب الفلسطيني كله ارهابي. واذا كان الشعب الفلسطيني قاطبة هو شعب من «الارهابيين»، فأين وكيف يجد شارون شريكاً تفاوضياً مقبولاً؟ أظن ان اللعبة الشارونية الأميركية واضحة. فشارون ضد التفاوض السلمي من حيث المبدأ.. وجورج بوش يدعمه كلياً في هذا التوجه فالأجندة التي يتبناها اليمين الاسرائيلي بشأن مستقبل الشعب الفلسطيني غير قابلة للتفاوض اصلاً. فلن يكون للشعب الفلسطيني بموجب هذه الاجندة اي دولة مستقلة بالمعنى الحقيقي، فالمراد للفلسطينيين اما ان يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية داخل كيان للحكم الذاتي تابع للسيادة الاسرائيلية وخاضع للدولة اليهودية.. واما ان يغادروا الأرض نهائياً. أليس عجيباً اذن ان يسارع الرئيس عرفات فور اكتساح اليمين المتطرف للانتخابات الاسرائيلية الى الاعراب عن استعداده للقاء شارون لبحث السلام «بالرغم من كل ما يحدث»؟ وهل كان ينبغي لعرفات ان يندهش عندما جاءه الرد الاسرائيلي بالرفض الوقح فوراً مشفوعاً بنعوت الاهانة والاستخفاف وسوء الأدب؟ لنعطي الزعيم الفلسطيني «فائدة الشك» كما يقول القانونيون فربما ما اراده عرفات هو ابلاغ العالم رسالة ذات طابع دعائي مفادها «اننا محبون للسلام لكن الطرف الآخر ليس كذلك». غير ان هذا النهج في معالجة قضية مصيرية عظمى ربما يؤدي في الوقت نفسه الى تلقي الشعب الفلسطيني رسالة خاطئة، فالرسالة الصحيحة هي ان يقول الرئيس الفلسطيني لشعبه ان الاسلوب الفلسطيني السلمي، في عهد اجندة اليمين الاسرائيلي، قد بلغ طريقاً مسدوداً وان الشعب الفلسطيني بالتالي بات مهدداً في صميم وجوده. ان على القائد الفلسطيني ان يقول لشعبه «اننا نريد التفاوض السلمي.. لكن الطرف الآخر لا يرفض التفاوض فحسب بل يرفض ايضاً الاعتراف بوجودنا، سواء كنا سلطة وطنية او فصائل مقاومة او مجرد مجموعة بشرية». وحري ايضاً بالزعيم الفلسطيني ان يصارح شعبه بأن المراهنة على «المجتمع الدولي» ليست سوى خرافة. ان «المجتمع الدولي» المهتم بقضية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي يتكون من عنصرين: الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي. العنصر الاول شريك استراتيجي دائم للدولة اليهودية والعنصر الثاني يتعاطف مبدئياً مع الطرف الفلسطيني. وكل من العنصرين يضع في حسابات تحركه بعداً اضافياً يتمثل في النظام الرسمي العربي. والمؤسف حقاً هو انه بينما يضع النظام الرسمي العربي تحركه وسياساته رهناً للارادة الاميركية، فإنه في الوقت نفسه ـ وبطبيعة الحال ـ يحجم عن دعم الدور الاوروبي، بل اكثر من ذلك يعمل على تخذيله. لهذا فإن دول الاتحاد الاوروبي تحرص على الا تذهب بعيداً في تأييدها لقضية الشعب الفلسطيني فكيف يعقل ان تتبنى الدول الاوروبية نهجاً راديكالياً لصالح الفلسطينيين وفي مواجهة اسرائيل، لتجد نفسها عند نهاية المطاف في موقف صدام مع الولايات المتحدة من ناحية والمؤسسات الصهيونية العالمية دون ان تجني في المقابل مكسباً مجزياً من الدول العربية.. بل وربما يواجهها العرب، بايعاز اميركي، بعقوبات كأن تعمد الى خفض التبادل التجاري. نشهد حالياً بالطبع بوادر تمرد اوروبي على الهيمنة الاميركية اشعله اختلاف حاد حول العراق. ولن يتاح لنا ادراك مدى هذا التمرد، وبالتالي مدى الاستقلالية الاوروبية عن الولايات المتحدة، الا بعد ان يهدأ الغبار بشأن المسألة العراقية والنهاية التي تنتهي إليها.. وبالتالي ايضاً مدى افادة القضية الفلسطينية من هذا التحول. لكن المستقبل الفلسطيني يبقى مرتهناً قبل اي اعتبار آخر الى وحدة الصف القيادي الفلسطيني نفسه، والمسئولية الاعظم في هذا الصدد تقع على عاتق الرئيس عرفات. ان عرفات يبقى رغم كل الاختلافات الدائرة رمزاً وطنياً نضالياً يمكن ان يلتف حوله قادة فصائل المقاومة. لكن هناك شرطاً أساسياً هو ان يتمكن عرفات من اقصاء عناصر «مجموعة أوسلو» التي زهدت في النضال الوطني بعد ان تفرغت لهمومها الصغيرة الذاتية فباتت على استعداد لتعرض نفسها للبيع. وبالاضافة الى ذلك اصبحت «منظمة التحرير الفلسطينية» بحاجة الى اعادة تشكيل بما يعكس الاوزان الحقيقية لفصائل المقاومة الميدانية. ولكن يبقى سؤال: هل بوسع عرفات أولاً ان يتحرر من ذاته؟!