الاحد غرة ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 فبراير 2003 مجرد اللقاء بين الفصائل الفلسطينية في القاهرة كان انجازا. وإذا كان اللقاء لم يحقق ما كان «البعض» يأمل في تحقيقه، فإن ذلك لا يجعلنا نهدر ما تحقق من انجاز، أو نعود لخانة الصفر، أو نبدأ في تبادل الاتهامات. اللقاء كان انجازا.. لأنه ضم تقريبا كل الفصائل الفاعلة على الساحة الفلسطينية. وهو ما يعني ان الكل يدرك حجم المخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية والمنطقة كلها، ويعني أيضا أن الكل يبحث عن نقاط التقاء تجسد هذا التلاحم على أرض الواقع بين مختلف ابناء شعبنا الفلسطيني المجاهد وهو يواجه آلة الحرب الاسرائيلية المدعومة أميركيا والتي لا تفرق وهي ترتكب مذابحها بين «جهادي» و«فتحاوي» وانما تعرف أن لها هدفا واحدا هو كسر إرادة هذا الشعب المجاهد وارغامه على الاستسلام للشروط الاسرائيلية. واللقاء ـ بحد ذاته ـ كان انجازا لأنه يتواصل منذ مدة، وتتسع مساحة تمثيله لمختلف التيارات يوما بعد يوم، ولأنه كرس لغة للحوار تعرف الاختلاف وتحترم الآخر ولا تطلق اتهامات الخيانة والعمالة مع أي اختلاف في وجهات النظر. واللقاء كان ـ في حد ذاته ـ انجازا، لأنه رغم الفشل في التوصل الى اتفاق نهائي حول القضايا المطروحة وفي مقدمتها الاقتراح بوقف العمل العسكري ضد الاسرائيليين لفترة محدودة لتهيئة الأجواء لاستئناف المفاوضات، فإن كل الأطراف كانت حريصة على ترك الباب مفتوحا لاستئناف الحوار، واذا كان الموعد المبدئي المقترح لذلك هو الرابع أو الخامس من فبراير هو موعد مبدئي، فإن المؤكد ان المشاورات لن تنقطع، وأن جولات قادمة من الحوار ستتم بعدما تتضح الظروف والمتغيرات التي ستسفر عنها الانتخابات الاسرائيلية وشكل الحكومة القادمة من ناحية، وبعد أن تتضح الرؤية حول تطورات العاصفة الأميركية الهوجاء على العراق من ناحية أخرى. اللقاء انجاز واللقاء كان أيضا انجازا.. لأنه يتم في القاهرة وتحت رعايتها. فالقاهرة التي حصرت علاقاتها الفلسطينية في الماضي القريب في السلطة وحدها، تمد الآن شبكة اتصالاتها لتشمل الجميع تقريبا. والفصائل الفلسطينية ـ حتى من كان منها يوزع اتهامات الخيانة يمينا وشمالا ـ تدرك الآن جميعها أنها لا تملك ترف التخلي عن هذه الفرصة لمد الجسور مع مصر، بعد أن أدرك الجميع كيف كان غياب مصر كارثة على العرب جميعا، وبعد أن أدركت القاهرة أن الدعوات الجاهلة أيام السادات للابتعاد عن العرب ومشاكلهم لا تصب الا في خانة المؤامرة لحصار مصر وتهديد أمنها وفي الوقت نفسه ترك الأمة العربية بدون بوصلة تهدي الى الطريق وقاطرة تقود العمل المشترك. وإذا كانت كل الأطراف قد قامت بعملية مراجعة لموقفها، وبذلت جهدا مشكورا كي تصل الى هذا اللقاء، فإن ذلك لا ينبغي أن يخفي أن هذه الجهود جاءت متأخرة كالعادة، وأن هذه القناعات جاءت بضغط ظروف خارجية وفي ظل أوضاع داخلية واقليمية سيئة.. مما حد كثيرا من مجال الحركة وقيد آفاق الأهداف التي يمكن الالتفاف عليها لتكون الحد الأدنى في برنامج وطني واحد يقود مسيرة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال النازي الصهيوني. كانت قيادة عرفات دائما حريصة على ابقاء القرار في يدها وحدها.. وربما كان ذلك أحد المزالق التي قادت الى نفق أوسلو التي أورثت الشعب الفلسطيني أسوأ الاتفاقيات وقدمت أفدح التنازلات. ومع ذلك فقد ساهمت الأوضاع المحلية والاقليمية والدولية في اقناع العديد من فصائل المقاومة التي عارضت «أوسلو» بأن تفعل المستحيل لتفادي أي صدام فلسطيني ـ فلسطيني، وأن تحاول تعديل المسيرة من الداخل. لكن المؤسف ان عشر سنوات مضت بعد ذلك في ظل السلطة الفلسطينية لم تفلح في فتح أبواب الحوار الحقيقي بين جميع الفصائل، ولم تنجح في رأب الصدع الوطني. ورغم جهود تم بذلها على صعيد الإدارة المحلية لاقامة البنية الاساسية من مدارس ومستشفيات.. الخ، فإن ذلك كان يتم في اطار الرهان على أن الحل قادم، وأن أميركا ستفرض في النهاية رؤية متوازنة تحقق معادلة «الأرض مقابل السلام» وتعطي الفلسطينيين دولتهم في حدود 67، وتوفر لإسرائيل الأمن والتفوق الاستراتيجي. وعندما جاءت لحظة الحقيقة، وأدرك عرفات ـ في كامب ديفيد ـ أن الحل الأميركي لن يوفر الحد الأدنى من المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني، وأن المطلوب أن يوقع صك القبول بالشروط الاسرائيلية والقبول بتهويد القدس والتنازل عن نصف الضفة والتخلي عن حق العودة مقابل كيان هزلي لا يملك من شروط الدولة الحقيقية شيئا.. عندما جاءت هذه اللحظة ورفض عرفات التوقيع لم يكن المشهد الفلسطيني في أحسن حالته: ـ كانت السلطة نفسها في حالة ضعف.. منقسمة على نفسها، متصادمة مع المجلس التشريعي، وبعض أعضائها متهمون بالفساد، وممارسات أجهزتها الأمنية المتعددة والمتصارعة محل اتهام. ـ وكانت منظمة التحرير معطلة، بعد رفض كل المحاولات لفصل قياداتها عن قيادة السلطة ومد مظلتها لتسع كل التيارات السياسية الفاعلة، وبعد فشل محاولات تفعيل العمل بها لتكون قادرة على التمثيل الكامل للشعب الفلسطيني خاصة في المهجر وفي ظل المؤامرات لاغتصاب الحقوق المشروعة وفي مقدمتها حق العودة. ـ وكان اختلاف الرؤى بين نهج السلطة من ناحية ونهج «حماس» و«الجهاد» من ناحية أخرى يسيطر على الساحة، ويهدد ـ لو كان عرفات وافق على اتفاق كامب ديفيد ـ بتفجر الموقف بين الفصائل الفاعلة. ثم جاءت انتفاضة الأقصى لتفرض على الجميع واقعا جديدا. واستطاعت مقاومة الشعب الفلسطيني للعدوان الهمجي الاسرائيلي ان تفرض على الجميع منطق الوحدة، وتكونت القيادة الموحدة للانتفاضة لتضم كل الفصائل وتنسق بين الجهود. وكان انحياز شباب فتح لموقف تصعيد المقاومة ضد الاحتلال عاملا حاسما في بناء هذه القيادة، وتصاعدت الدعوة لتحويل وحدة الدم في الشارع الفلسطيني الى جبهة حقيقية تقود النضال المشترك ـ والى حكومة تضم كل الفصائل الفاعلة. وللأسف الشديد لم يتحقق ذلك. وفاتت فرصة حقيقية دفع الشعب الفلسطيني ـ ومازال ـ ثمنها غاليا. وبدلا من قيادة موحدة.. تقاتل وتفاوض بناء على برنامج وطني واحد متفق عليه، تعددت السبل والاجتهادات. وبدلا من غرفة واحدة للعمليات العسكرية ضد العدو، أصبح لكل فصيل عملياته التي كثيرا ما تصادمت وتقاطعت وبددت الجهد وأضاعت أرواحا كان يمكن الحفاظ عليها. وبدلا من اتفاق على الأهداف العامة وعلى التكتيكات المطلوبة تعددت الاطروحات بين من يطالب بإيقاف الانتفاضة ومن يطالب بتصعيدها، ومن يدين العمليات الاستشهادية ومن يراها السلاح الأفعل في المعركة، وبين من يقف وراء عرفات ضد المحاولات الاميركية الاسرائيلية لعزله ومن يرغب في وراثته، وبين من يحمل أوسلو وتوابعها مسئولية التدهور في الموقف ومن يحمل المقاومة وعدم الرضوخ لاميركا هذه المسئولية. ظروف بالغة الخطورة والآن.. تجيء الفصائل كلها الى القاهرة في ظل ظروف بالغة الخطورة.. فالعاصفة الاميركية قادمة ولن تقف عند حدود العراق لتحتل اراضيه وتستولي على بتروله وتحيل دولته الواحدة الى شظايا، وانما تمد بصرها بعد ذلك ـ وتحت زعم زائف بالحرب ضد الارهاب ـ الى العالم العربي كله لتعيد تشكيله وفقا لرؤيتها العنصرية ورغبتها المحمومة في جعل المنطقة قاعدة لامبراطوريتها الجديدة. واسرائيل ـ تحت حكم شارون ودعم اليمين الاميركي الحاكم ـ انطلقت يدها بعد 11 سبتمبر في مذبحة مستمرة للشعب الفلسطيني واستهانة بالرأى العام العالمي.. وهي تعد العدة الآن لاستكمال المذبحة وانتهاز فرصة العدوان الاميركي ضد العراق لفرض امر واقع جديد على أرض فلسطين ينسف أي فرصة للتسوية ويكرس الهيمنة الصهيونية على القدس والضفة، وينتزع من العرب كل ما تريده من تنازلات. والقاهرة ـ مثل باقي العواصم العربية ـ تدرك حجم المخاطر، وتحاول أن تتحرك حتى لو جاءت الحركة المتأخرة والقدرة على المواجهة أقل مماينبغي. الكل يدرك انه في قلب الخطر.. سوريا ولبنان متهمتان بمساعدة منظمات المقاومة «الارهابية عند أميركا» والسعودية أصبحت بين يوم وليلة مصنع الارهاب المطلوب اغلاقه أو تغيير نشاطه، ومصر مطلوبة للإصلاح الاميركي حتى تقتنع بأن تنكفئ على نفسها وتغلق عليها حدودها بعد أن تحاصر بالمشاكل والازمات. من هنا يأتي الترحيب بلقاء القاهرة من حيث هو دليل على استشعار الجميع حجم المخاطر، ومن حيث هو اعلان عن الجدية في مواجهة الموقف المتفجر، ومن حيث هو ادراك من الفصائل الفلسطينية بضرورة العمل على بناء موقف وطني واحد وقيادة موحدة ورؤية مشتركة مهما كانت المصاعب، ومن حيث هو تأكيد على وعي القاهرة بمسئولياتها العربية التي لا تملك أن تتخلى عنها مهما كانت الضغوط أو العقبات. بناء موقف وطني وإذا كانت الأطراف لم تنجح في التوصل الى اتفاق في اجتماع القاهرة، فإن مواصلة الحوار في ظل الاحساس بالعقبات والذي ينبغي أن تحكمه عدة عوامل داخلية واقليمية ودولية، وتحدد حركته مبادئ أساسية لا يمكن التخلي عنها مهما كانت الضغوط وفي مقدمتها: ـ ان حق المقاومة المشروعة ضد الاحتلال هو حق مقدس لا يمكن التخلي عنه. واذا كانت المزايدات هنا غير مطلوبة فإن المناقصات أيضا ينبغي استبعادها. ـ ان المطلوب أساسا هو القيادة الوطنية الموحدة التي تقود النضال الوطني في هذه الظروف الصعبة، والتي تضع الضوابط لحركة المقاومة ولمسار العمل السياسي معا، ودون تفريط في الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ـ إنه رغم خطورة الظروف، فإن هذا ليس تقديم الهدايا المجانية للطرف الآخر. واذا كان الشعب الفلسطيني يمر بأصعب الظروف، فإن الكل معه في أزمة.. الأطراف العربية والاقليمية والولايات المتحدة نفسها. فالمنطقة كلها تسير الى انفجار لن ينجو منه أحد اذا استمرت الحماقة الاميركية واستمرت معها الغطرسة الاسرائيلية. ـ إن الحديث عن الهدنة المقترحة ينبغي أن يأتي من خلال الإرادة الموحدة للنضال الفلسطيني في هذه المرحلة، وبدون المساس بالحق المشروع في مقاومة الاحتلال، والحديث عن استثناء المدنيين من القتال ينبغي أن يكون من الجانبين. والقبول بوعود اسرائيلية أو ضمانات اميركية ينبغي ان تحكمه دروس عشر سنوات من المفاوضات العبثية والوعود التي لم تتحقق والالتزامات التي لم يتم الوفاء بها. ـ انه لا معنى للحديث عن تقدم على طريق التسوية اذا استمرت واشنطن في دعمها لشارون وغضها النظر عن المذابح اليومية التي يقوم بها ضد الشعب الفلسطيني. وبدون التزام أميركي يتم تطبيقه على الفور بوقف المذابح والانسحاب الفوري للجيش الاسرائيلي من أرض السلطة فلا معنى للحديث عن تقدم على طرق التسوية. وبدون التزام أميركي واضح بالحدود الدنيا التي قبلها الفلسطينيون وهي الدولة المستقلة داخل حدود 67 والقدس الشرقية عاصمتها وحق العودة.. فإن الصدام سيستمر ويتصاعد بين العرب وبين التحالف الاميركي ـ الاسرائيلي. ـ إنه اذا كانت أميركا تريد فقط «تبريد» الساحة الفلسطينية حتى تنهي مهمتها في العراق. فإن هذا بالتأكيد ليس هدف القاهرة ولا هدف الفصائل الفلسطينية، وانما الهدف هو انهاء هذه الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني ودرء المخاطر القادمة وفتح الباب لتسوية تعيد الحقوق المشروعة ويعرف الجميع ـ بمن فيهم أميركا واسرائيل ـ شروطها المقبولة. وإذا كانت الأوضاع المتفجرة في ضوء العدوان الاميركي المرتقب على العراق تمثل عامل ضغط على الجميع. فإن الحل هو في انجاز الوحدة الفلسطينية التي تستطيع ان تعبر المرحلة الصعبة، وفي تحقيق التحالف مع الأطراف العربية الفاعلة، وفي احتماء الجميع ـ فلسطينيين وعربا ـ بسقف المقاومة ورفض تقديم التنازلات المجانية. وإذا كان للحوار الفلسطيني أن يتواصل.. وبالجدية والسرعة المطلوبتين، وإذا كان للدور المصري أن يستمر ويتعمق في دعم هذا الحوار، فلعل ما أذاعته مصادر اسرائيلية عن توقع لقاء بين الرئيس مبارك ورئيس الحكومة الاسرائيلية شارون أن يكون خارج السياق وبعيدا عن التحقق. فمهما كانت الأسباب والضغوط فإن على شارون أن يدرك أنه لابد أن يدفع ثمن جرائمه في حق الشعب الفلسطيني، وعلى الاسرائيليين أن يدركوا حجم المأساة التي يقودها إليهم مجرم الحرب الذي أغلق كل أبواب السلام. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية