الاحد غرة ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 فبراير 2003 متى يحين للشعب العراقي أن يعيش حياة عادية. ربما يبدو سؤالاً ساذجاً تحت قرع طبول الحرب الأميركية المتصاعدة في المنطقة. على نقيض ذلك تماماً هو سؤال جوهري وملح. للحرب دائماً جانب أخلاقي محض لا تقل تداعيات نتائجه عن الجوانب المادية لأى حرب. العراق يمتلك قاعدة مادية بالغة الثراء والخصوبة تشكل أساساً راسخاً لبناء حياة حافلة بالوفرة والهناء والتقدم. بلاد تنعم بثروات طبيعية من التربة الواعدة والأنهار الجارية وبحيرة نفط ومدارات مناخية تكفل أشكالاً متنوعة من المنتجات الزراعية. العراقيون يملكون حضارة عريقة في رصيدها ابتكارات وانجازات إنسانية، مما يؤهلهم لمواصلة العطاء وبناء شروط حياة معاصرة متميزة ومستقبل وضيء. العنوان الرئيسي للحرب الأميركية المعلنة هو نزع أسلحة الدمار، يؤكد قدرات أبناء العراق على استيعاب علوم وتكنولوجيا العصر. قد لا يملك قطر عربي آخر كل هذه المقومات التي من شأنها أن تجعل العراق أنموذجاً على الوطن العربي لدولة تقتحم حلبة سباق العصر على مضمار التقدم الحضاري. التاريخ العراقي المعاصر لا يشكل خلاصة منطقية لهذه الفرضيات المادية التي لا تقبل التشكيك. من العبث تحميل النظام العراقي كل المسئولية في هذا القعود والخيبة المستحكمة. ثمة عناصر داخلية متضافرة وظروف اقليمية ودولية ساهمت في هذا الاحباط العراقي. من المؤكد ان التوقيت لا يعين على نكء جراح العراقيين ولكن قد يفيد الاشارة الى الأرواح التي فقدوها في النصف الثاني من القرن الفائت. من المهم في الوقت نفسه الاشارة الى نهج مواز للقدرات التي فقدها العراق من أبنائه المنتشرين في المنافي. القيمة الجوهرية للاشارتين تكمن في محاولة استقراء الخسائر المقبلة التي سيدفع العراقيون كلفتها في الحرب الأميركية المرتقبة. وفقاً لتقديرات أميركية أولية يبلغ ضحايا العراقيين ربع مليون قتيل في الحد الأدنى وثلاثة ملايين نازح عند وقوع القصف. التقارير نفسها ترسم صورة قاتمة للأضرار الجسيمة التي ستصيب البيئة العراقية، التلوث الذي سيطال التربة والمياه، لن يعين على استئناف الحد الأدنى لحياة طبيعية لأجيال مقبلة. التقارير الأميركية تلتزم الصمت عمداً عن التدمير الذي سيصيب البنية التحتية العراقية والفاتورة الباهظة التي سيدفعها العراق من أجل اعادة بنائها. في عالمنا العربي يغيب الحديث عن الجانب الأخلاقي للحرب، وراء هذه الأزمة تغيب مؤسسات المجتمع المدني التي عمدت الأنظمة الى تصفيتها بأساليب متباينة، الاهتمام بالجانب الأخلاقي للحرب يندرج في الأصل في اطار تعبئة الرأي العام. الاعلام العربي ليس معنياً أصلاً بتعبئة الرأي العام إلا فيما يتوهم خطأ انه يعين النظام الناطق باسمه على البقاء. هذا الوهم بالضبط أحدث قطيعة بين النظام والرأي العام الفاتر تجاهه. في غياب مؤسسات المجتمع المدني القتيلة بأمر حكومي لن ينشط رأي عام عربي منظم. صحيح ان هناك رفضاً شعبياً عارماً للحرب الأميركية المعلنة على العراق غير ان هذا الرفض لايزال يفتقد الوسيلة القادرة على الافصاح عن حاله. ثمة نوبات سخط تنفجر بين الفينة والأخرى هنا وهناك لكنها مثل الفقاعات لا تحدث صدى خارج إطارها الزماني والمكاني. للأسباب ذاتها يبدو الرفض الشعبي في الغرب لضرب العراق أعلى صوتاً من الرفض العربي. كما هو ملح التساؤل عن حق العراقيين في تجسيد تنين عربي في ظل امكاناتهم الطبيعية يكون مهماً السؤال عن فرص خروج منظمات المجتمع المدني الى حيز الفعل من تحت رماد الحرب التي تستهدفها. ليس كل الحروب التي تحدق بالمنطقة حروباً بين أنظمة عربية وغربية، كل نظام لا تسنده جماهيره لن يتمتع بالصمود أمام أي عدوان خارجي مهما كانت ترسانته العسكرية.