الاحد غرة ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 فبراير 2003 في مشهد لا نراه سوى في الأفلام الهوليوودية، صادفت وطفلاي عرضاً مجانياً في الحب والهيام والغرام، لا بمكان سري أو زاوية جانبية نائية، وإنما في مكان عام، وليس بين سائحين أو مقيمين أجانب، كما قد يصدف في بعض الأحيان، ولكن بين مراهقين من أبناء البلد. فتى بالكاد يخط شاربه، يرتدي الزي الوطني، وفتاة سافرة، ملامحها محلية، جالسان على مقعد في أحد مراكز التسوق حديثة الافتتاح والتي يتميز طرازها المعماري بكثرة الأزقة أو «الفرجان» يتبادلان العناق والقبلات واللمسات والهمسات غير عابئين بنظرات الناس أو تعابير الاستغراب التي يبديها المارة في مكان ووقت لم يخل من العائلات التي جاءت للتسوق قبيل العيد مصطحبة أطفالها معها. مشهد أحرجني شخصياً لعدم قدرتي على الرد عن تساؤلات طفليّ اللذين استغربا المنظر، وأشعرني بالأسف لما آلت اليه أحوال مراهقينا، والقلق تجاه التغيير الذي بدأ يطرأ على طبيعة مجتمعنا في فترة قصيرة نسبياً، فمثل هذه المناظر كانت شبه معدومة قبل بضع سنوات فقط، فما الذي جرى لتتبدل الأحوال بهذا الشكل؟ هذا المنظر الذي أشعرني بغصة في الحلق وحرقة في القلب ولّد لديّ رغبة في أن أزجر هذين المراهقين العابثين، على الأقل من باب النهي عن المنكر، إلا أن خشيتي من أن يسمعاني كلمة جارحة لا أقوى على تحمّلها هو ما لجم لساني، فآثرت الانسحاب مجرجرة طفليّ لأقرب مطعم، وإذا بمنظر آخر لا يقل وقاحة عن سابقه يتكرر مرة أخرى أمام أنظارنا، إذ دخلت فتاة مواطنة بكامل زينتها وأناقتها وجلست في ركن مخصص للعائلات في تململ والقلق بادٍ على وجهها وهي تأرجح ناظريها بين الباب والساعة. أدركت على الفور من هيئتها وحركاتها اننا على موعد مع مشهد غرامي آخر. بعد فترة حضر الحبيب المنتظر متلهفاً، وفوجئت بأنه رجل عربي مهلهل المظهر يكبرها بحوالي عشرين عاماً. وما أن جلس بجوارها حتى بدأ مسلسل الحب والهيام من جديد.. يميل نحوها وتميل نحوه، يطعمها فتطعمه، استمرا هكذا في عالمهما الخاص ثم انصرفا سوياً. ضربت كفاً بكف، وذهب تفكيري إلى تلك الفئة من الأمهات الغافلات الساذجات اللائي تنطلي عليهن حيل بناتهن، فلابد ان هاتين الفتاتين خدعتا أهليهما بطريقة ما وأقنعتاهم بأنهما خارجتان للتسوق، ولابد أن هناك الكثير من الآباء اللاهين الذين لا يدرون ما يفعله أبناؤهم المراهقون. لا أدري ما الذي جرى لمجتمعنا، وما الذي سيجري في الغد؟.. ترى هل سنسمع بعد بضع سنوات عن قصص فساد المراهقين والمراهقات، وهي الظاهرة التي ابتليت بها مجتمعات الغرب جراء التساهل الزائد في أساليب تربية الأبناء؟ قد يقول البعض انني أتجنى على فتيات بلادي أو أشوّه سمعتهن، لكن الواقع يقول عكس ذلك، ولو لم يكن هذا الواقع مؤلماً، لما تحدثت عنه. فنحن نسمع الآن عن ذهاب فتيات مراهقات لوحدهن لدور السينما في منتصف الليل، وعن استغلال البعض لهذه الصالات المعتمة كأماكن لقاء، اضافة للبلاوي التي تتسبب بها غرف «التشات» على الانترنت، كل ذلك يثبت ان خللاً ما طرأ على أساليب التربية المتبعة الآن، وان هوة كبيرة تفصل بين الجيل السابق والحالي. فرغم ان الآباء والأمهات في الماضي لم يذهبوا لمدارس أو جامعات يتعلمون فيها أصول أو مباديء التربية، إلا انهم بلاشك كانوا أفضل بكثير في غرس الفضيلة في نفوس أبنائهم من آباء وأمهات الجيل الحالي، مع ان أغلبيتهم من الجامعيين، أو على الأقل من أنصاف المتعلمين الذين يرتكبون بتساهلهم الشديد مع أبنائهم أخطاء قد تعود عليهم بنتائج وخيمة، كما يتضح من المشاهد التي أصبحنا نراها مؤخراً بشكل متزايد. نحن لا نهدف إلى قمع الحريات، ولكن لابد أن يتوفر أسلوب رادع لهؤلاء المستهترين. فرغم علمي بوجود رجال التحريات في المراكز والأماكن العامة، إلا انه يصعب علينا الاستدلال عليهم لتنكرهم بلباس مدني. ولذلك فإن ما نود معرفته هو: لمن يمكننا اللجوء لايقاف مثل هذه المشاهد التي تخدش الحياء وتهدم أسس التربية وقيم الأخلاق التي نسعى لغرسها في أبنائنا؟ فنحن لا نريد اطلاقاً أن يأتي يوم نتفاجأ فيه ببث حي لفيلم اباحي في مكان ترتاده الأسر والأطفال.