السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 منذ أن سعى رجل يدعى ميخائيل غورباتشوف إلى سحب عقدة الصوف الذي كان يكسي جسد كائن عملاق يدعى الاتحاد السوفييتي تحت مسمى «البيرسترويكا» أصبح ذاك العملاق عارياً ووحيداً في عالم تديره الشركات الكبرى والمؤسسات العملاقة والمصالح المتشابكة. ومنذ ذلك الوقت وبانتهاء ما يسمى الحرب الباردة التي ظلت خيوط سحبها الباردة تتواصل في سماء العلاقات السياسية الروسية الاميركية، والمعسكرين الشرقي والغربي، فقد عالم الجاسوسية كثيراً من اثارته وخصوصيته ومغامرته.. ذاك العالم الذي برعت الدعاية الأميركية عن طريق هوليوود في نحته في عقول ووجدان الكثيرين بكل دقة واتقان، إلا ان العولمة وطوفانها الطاغي أفقد هذا العالم سريته، بعد أن أصبح الجميع يتعاملون مع المعطيات التقنية الساحرة بكل تلقائية ويسر، وبعد ان أصبحت المعلومات تتدفق من أقصى الشرق لأقصى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب بلمح البصر. ويبدو ان ساعة الزمن قد توقفت بأولئك الجواسيس، وذاك العالم الذي تصوره أفلام جيمس بوند توقفاً اجبارياً لفترات اعتقد الجميع انها لن تعود أبداً في ظل الانفتاح المتواصل لتدفق المعلومات، ففي الولايات المتحدة الأميركية أصبح العالم السري لأولئك العملاء والجواسيس جزءاً من المعالم السياحية لواشنطن، ففي رحلة مثيرة بالحافلات تجوب شوارع واشنطن تتضافر جهود عملاء سابقين للمخابرات الأميركية والروسية لتقديم خدمات سياحية للزوار، حيث يكشف خبراء وعملاء الجاسوسية السابقون المعلومات التي بحوزتهم عن العالم السري للجواسيس وصائديهم في شوارع واشنطن، ومن بين المشاركين في هذه الرحلات اليومية أوليج كالوجين ضابط الاستخبارات السابق في جهاز «كي.جي.بي» السوفييتي، والذي عمل كدبلوماسي في واشنطن، وديفيد ميجور الذي كان معنياً بمكافحة التجسس في مكتب التحقيقات الفيدرالي. ولم يكن أشد المتفائلين يعتقد ان هذا العالم الذي توقف به الزمن سينهض من غفوته، وسيعود إلى سابق عهده بعد ان انكشف العالم وتواصل وتداخل وأصبحت الوجوه والمعالم واحدة!! لقد حدث أمر مثير، أيقظ العيون المخبوءة التي اعتقد الكثيرون انها نائمة، ولكن يبدو ان مصائب قوم عند قوم فوائد، فقد حرّكت أحداث 11 سبتمبر الأيدي الخفية التي فرحت بعودتها إلى مسرح العالم السري، بعد ان ركنت فترة طويلة من الزمن، وأصبحت كالتماثيل الصامتة، أو المزارات السياحية.. عادت لتهمس في آذان البسطاء من الناس والمثقفين والسياسيين «كان عدونا في الحرب الباردة الجيش الأحمر السوفييتي بأكمله، وأصبح عدونا الآن هو شخصية البروفيسور في رواية العميل السري لجوزيف كونراد الذي يتنزه في شوارع لندن وهو يدس يده في جيبه الأيمن ليحكم قبضته على قنبلة انتحارية»!! إلى وقت قريب كنّا نقرأ وبإمعان الرسائل والأوراق السرية التي يكشف عنها في أوروبا حول جولات جواسيسهم المتواصلة في بلادنا العربية، وذلك من باب الفضول ومعرفة كيف يفكّر هؤلاء، وكيف يخططون، إلا أن أحداث 11 سبتمبر قلبت الآية، فأصبح الأميركيون والأوروبيون يسعون وبكل استماتة إلى تجنيد جواسيس وعملاء عرب للعمل كعيون لهم وسط الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا والولايات المتحدة. ويبدو ان الجاسوسية وعالمها الخاص يجسدان سحراً خاصاً للبريطانيين، ومثلهم الكنديون، فقد تلقت مؤسسة أمن الاتصالات الكندية طوفاناً من الراغبين في العمل كجواسيس عندما أعلنت انها بحاجة الى مجندين جدد من خلال نشر إعلان في الصحف، حيث يبلغ عدد المتقدمين 13 ألف شخص، هذا بعكس الحال في الماضي حيث يبلغ عدد المتقدمين لهذه المهنة أقل من 25 متقدماً، إلا ان السحر الذي تكرّسه أفلام العميل السري جيمس بوند وجورج سمايلي كان طاغياً لدرجة مؤثرة. ويرى كثير من المحللين ان أحداث 11 سبتمبر أعادت الاعتبار لكثير من الجواسيس المنقرضين والمختفين عن ساحة الأحداث. ففي كندا تم تخصيص اعتمادات مالية ضخمة لتنشيط جهاز التجسس بعد أحداث 11 سبتمبر تمكن من زيادة العاملين فيها والذين يعملون على التنصّت على المكالمات وقراءة البريد الالكتروني وغيرها من النشاطات السرية. كما تمت الاستعانة بالمتقاعدين الذين يملكون الدراية والأسرار الخفية في عالم مشحون بالمواجهات. ويبدو ان هؤلاء كلما أرادوا ان يكونوا أحراراً، بحثوا عمّن يحد من حريتهم وحركتهم، فالولايات المتحدة أصبحت الآن أكثر انغلاقاً وظلماً لمواطنيها تحت ذريعة ما يسمى (الارهاب) ومثلها بريطانيا. لقد كان الجواسيس ينعمون بعالم سري لا يعرف أسراره إلا من يتعامل معه.. فهو عالم مغلق وصامت يدار في الخفاء، أما اليوم فأصبحت الجاسوسية مادة يمكن تناولها وتداولها حتى في وسائل الإعلام وبكل علانية. كما يمكن ان يصبح أولئك الأشباح في عالم الأمس أبطالاً يشار إليهم بالبنان وهم يتحدثون عن بطولاتهم وانجازاتهم الخفية. وكأن أميركا التي تقود العالم أرادت ان تقول للناس جميعاً: كونوا جواسيس، وهي في ذلك تعتمد على نظرية شهيرة في عالم التجسس تقول: ازرع الشك.. تحصد الخوف والولاء! ويبدو ان العيون التي كنّا نعتقد أنها كانت نائمة لم تكن سوى عيون راصدة.. فأمام التحولات المثيرة، وتداخل الأشكال، والألوان، والوجوه، والأقنعة، غابت الملامح، واختفت التفاصيل وأصبحنا ندقق في الخطوط المتعرجة ولا نعرف مَنْ يراقب مَنْ؟!