السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 هل يتبقى لرئيس جمهورية الولايات المتحدة الأميركية أي عمل رسمي إذا أغلق ملف العراق نهائيا؟ لا ينبغي بحال من الأحوال أن يكون هذا التساؤل غريبا بحق الدولة العظمى الكبرى في هذا العالم وهذا العصر إذا كان الخطاب السنوي الأكبر للرئيس الأميركي المسمى بخطاب «حالة الاتحاد» يخصص ثلاثة أرباعه لقضية العراق وأقل من ربعه لحالة الاقتصاد الأميركي وجملة واحدة لقضية الصراع العربي الإسرائيلي. فاذا افترضنا نظريا ان ملف العراق أغلق في يوم ما فان رئيس الدولة العظمى سوف يصبح عاطلا لكل الوقت تقريبا لأن جدول اعماله اليومي على طاولة «المكتب البيضاوي» سوف يكون في اغلب ايام الاسبوع خاليا بعد عودة العراق الى حالته الطبيعية. ولكن هل للولايات المتحدة ـ حقا ـ قضية بشأن العراق بما يستوجب على الرئيس تجاهل القضايا الداخلية وقضايا العالم الأخرى ليتفرغ لـ «الخطر العراقي» وكأن أميركا محاصرة برا وبحرا وجواً بواسطة قوات الرئيس صدام حسين؟ ان خطاب «حالة الاتحاد» الذي ألقاه الرئيس بوش الاسبوع المنصرم على الكونغرس وعلى الشعب الأميركي وعلى العالم لا يوحي إلا بذلك. فوفقا لذلك الخطاب وروحه فان حالة أميركا الآن تحت «التهديد العراقي» باتت أسوأ من حالة أوروبا عندما كانت تحت رحمة ألمانيا الهتلرية عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية. الرئيس بوش يتوعد العراق مطالباً اياه بنزع اسلحته وإلا «فاننا سنقود ائتلافاً لنزع أسلحته حفاظا على أمن شعوبنا والسلام في العالم». ولكن هل للعراق ـ بعد 12 عاما من المحاصرة الدولية سبقتها حملة حربية أميركية ضارية لم توفر حتى شبكات الهاتف وشبكات الصرف الصحي ـ من الأسلحة، كما وكيفا، ما يهدد الجيب الكردي المستقل في الشمال العراقي فضلا عن تهديد شعوب العالم قاطبة بما فيها الشعب الأميركي والسلام العالمي؟ ويمضي الرئيس الأميركي في مبالغاته فيقسم على استخدام «قوة الولايات المتحدة العسكرية وعظمتها كلها» في الحرب المحتملة ضد العراق. والمبالغات مبنية على كذبة. والكذبة مبنية على تلفيق. ويبدو أن الرئيس الأميركي قد «كتب عندالله كذابا» من فرط إدمانه على التلفيق جهاراً. فبينما كرر الرئيس للمرة الألف اتهامه للعراق بتطوير برنامج لانتاج أسلحة نووية أكد مدير لجنة الطاقة الذرية الدولية رسميا امام مجلس الأمن الدولي انه لا توجد أدلة تثبت هذا الاتهام. قال محمد البرادعي في تقريره إلى المجلس: «لقد تمكنا من زيارة كل هذه المواقع وتحققنا من عدم استخدامها نشاطات نووية». فهل يليق برئيس دولة عظمى ان يرسم سياسته في التعامل في ساحة العلاقات الدولية على أساس الكذب على شعبة وعلى العالم؟ ان الرئيس الأميركي يلجأ الى اعتماد الكذب كسياسة ثابتة تجاه العراق لأنه ببساطة لا يملك حقائق تصلح كأدلة دامغة لتبرير شن حرب. و«الأدلة» التي وعد في سياق خطابه بتقديمها رسميا الى مجلس الأمن الدولي في جلسة استثنائية قرب نهاية الأسبوع الجاري لن تختلف جوهريا عن تلك «الوثيقة» التي سبق ان أعدتها أجهزة الاستخبارات الأميركية «ووثيقة» بريطانية مماثلة كانت كلتاهما أقرب الى التأليف الروائي. واذا كانت الادارة الأميركية تمتلك حقا أدلة ملموسة ودامغة تدين العراق فلماذا لم تتقدم بها إلى مفتشي الاسلحة الدوليين؟ غير ان السؤال الأكبر ليس ما إذا كان للولايات المتحدة أدلة سليمة بشأن العراق أو أنها اعتمدت التلفيق كأسلوب للتعامل مع المسألة العراقية. انما السؤال هو السؤال المطروح آنفا: ما الذي يجعل الدولة العظمى تسخر جل مواردها الدبلوماسية والسياسية والعسكرية من اجل استهداف دولة في العالم الثالث مغلوبة على أمرها؟ ما لم يكن لدى هذه الدولة العظمى أجندة مخفاة غير ما هو معلن من روايات كاذبة او مبالغ فيها؟ النفط واسرائيل هما عنصرا الأجندة الخفية.. وكلاهما يلتقيان عند هدف استراتيجي واحد: تكريس حالة العجز العربي والابقاء على هذا العجز. باستيلاء الولايات المتحدة على صناعة النفط العراقية فانها تستطيع التحكم في آلية العرض والطلب في سوق النفط العالمية مما يتيح لها ممارسة ابتزاز اقتصادي بدوافع سياسية على تجارة النفط العربية. وباقامة نظام حكم عميل في بغداد تتمكن الولايات المتحدة من حذف العراق من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي. وأولى الخطوات على هذا الطريق سوف تكون اعتراف «عراق ما بعد صدام» بإسرائيل. هذه هي القصة بإيجاز.