السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 لقد كان ازدهار المجتمع الصناعي بما ترتب عنه من مضاعفات وأزمات هو الذي أدى الى تزايد عدد المنظمات الأهلية للحد من التوترات الاجتماعية وايجاد توازنات جديدة تضمن الاستقرار والتآزر، فبرزت الى الوجود مجموعة كبيرة من التنظيمات في مختلف الأشكال للدفاع عن المستضعفين ومساندة من لا سند له والعمل على لم شمل من لم تعد تشملهم أي علاقة اجتماعية. وتطور دور هذه المنظمات بظهور مفاهيم جديدة للخدمات ولمختلف مجالات العمل، وظهرت تبعا لذلك مجموعة اخرى من الجمعيات هدفها الدفاع عن الحقوق الوليدة ذات الطابع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فتعددت وتنوعت المصالح التي تناضل من أجلها حتى اصبحت تتنافس فيما بينها على اكتساب رضا الجمهور المستهدف والحصول على مساندته لنشاطها. وفي هذا الخضم برز مفهوم العولمة وامتدت للشبكات الرقمية وتطور نسق نمو الاقتصاد اللا مادي وانهارت الحواجز الجغرافية والجمركية وتبلورت ملامح مشروع الطريق السريعة للاعلام، وتأكدت الحاجة الى المزيد من المنظمات غير الحكومية بهدف المساهمة مع الحكومات والقطاع الخاص لايجاد صيغ جديدة للتعاون والتكامل بين مختلف الدول والمجموعات. وادركت مختلف المنظمات الخيرية انه لا يمكن لها تحقيق أهدافها وبرامجها وهي بعيدة عن الرأي العام، لا تحظى بمساندة الشرائح التي أوكلت اليها الدفاع عن مصالحها، وفي هذا السياق اتي طرح مفهوم فعل الخير والبر في عصر جديد ومجتمع يقوم على تفاعل الانسان والمجتمعات كاملة عبر شبكات الاتصال والمعلومات وتطور المشكلات التي يعاني منها المستضعفون كما تغيرت الحلول العملية امام الجمعيات والمنظمات المدعمة لادارة الخير والبر. وأصبح الاحسان الذي كان يقوم على الكتمان في حاجة الى الاعلان من اجل مصلحة الانسان. وظهرت آليات جديدة للاتصال والاعلام من شأنها المساعدة على ايجاد الحلول التي تخفف من الضغوطات والصعوبات وتعترض العمل الخيري والمنظمات المختصة في النشاط القائم على البذل والتطوع. وتأكدت بالتالي ضرورة تحديث البنى المؤسساتية لهذه الجمعيات مع ابراز الطابع الخاص بالخير العربي وتطوير اساليب الدعوة اليه والاعتماد في ذلك على التقنيات الحديثة للاتصال والمعلومات. ومن هنا تأكدت الحاجة الى تناول الموضوع من الوجهة الاعلامية اذ اصبح الاتصال المباشر لا يكفي لتأمين التفاعل بين مختلف الشرائح المعنية، كما ان مضمون الخطاب الجمعياتي اصبح يتجاوز نقل الخبر المجرد ويعتمد على استراتيجية واضحة وخطة مدققة وبرامج اعلامية متفاعلة مع المحيط، مساندة للاختيارات الوطنية الكبرى وملتزمة بالتعبير عن مشاغل المجتمع المدني بأسره وبتحقيق الاهداف الخيرية التي يغذيها الواعز الانساني النبيل. ونظام الاتصال الشامل هو مضمون اعلامي وآلية للتكامل وقنوات اتصال ملائمة تلتقي فيها الرسالة الاعلامية مع العمل الميداني. وقد تأكدت على مر الايام قوة تأثير اجهزة الاعلام في اتخاذ القرار، كما تأكدت مكانة الاعلام الاجتماعي والمؤسسات في تغيير السلوك العام والتطور الشامل. والمتوقع ان يتجلى ذلك أكثر فأكثر من خلال تطور نظم الاتصال الجمعياتي الحديث الذي بدأت تظهر ملامحه. غير ان هذه القناعة لم ترسخ بعد بنفس الدرجة لدى أصحاب القرار في المجتمعات النامية، وان الكثيرين في البلدان العربية مازالوا على غير اقتناع بمدى تطور قواعد الاعلام الاجتماعي وبفائدة توظيفه رغم توفر الحجة العلمية القاطعة ونتائجها الملموسة. فالجمعيات العربية لم تسجل حضورا فعالا في هذا الاطار رغم تعدد التحديات. ومرد ذاك الافتقار المشترك الى الطاقات البشرية ذات الخبرة والتخصص والى الموارد المالية اللازمة لهذا النشاط. وسنحاول فيما يلي ابراز الترابط والتكامل بين مختلف هذه العناصر وتحليل ملامح الاعلام الجمعياتي الحديث لادراك مدى تأثيره على العمل الخيري في مختلف المجتمعات وآفاق تطوره في المجتمعات العربية. الاستراتيجيات الاعلامية تتمثل استراتيجية الاتصال بالنسبة للجمعيات في التخطيط لمختلف المراحل التي يستوجبها العمل الجمعياتي، وهي تهدف الى خلق الوعي بخصوصية نشاط الجمعية وتغذية شعور الانتماء والرغبة في ممارسة نشاطها، وتحقيق اشعاع الجمعية في محيطها الاجتماعي وضمان المصداقية لأعمالها. وغالبا ما يتفرع هذا النشاط الى ثلاثة برامج متميزة وهي التعريف بالجمعية وبنشاطها عبر وسائل الاعلام الجماهيرية وتكثيف العلاقات مع الأعضاء من خلال الاجتماعات العامة وعبر شبكات الاتصال الخاصة مثل الفاكس والهاتف والبريد، ودعم نشاط الجمعية بالحملات الاعلامية المعتمدة على مختلف وسائل الاتصال والعلاقات العامة. اما الخطة الاعلامية فهي تكمن في ضمان التنسيق بين مختلف العناصر التي ترتكز عليها وتسخير وسيلة الاعلام المناسبة لكل نشاط ولكل مرحلة ولكل فئة اجتماعية، وبرمجة العمل حسب رزنامة دقيقة متماشية مع الحاجة. (وهو ما يعبر عنه بـ اخةخخءجذ ءةح) ومن هنا جاءت ضرورة الاهتمام بالجانب الكمي للمعلومات المتواصلة بنشاط الجمعية واحترام المقاييس التي اعتمدها الاخصائيون. وعلى سبيل المثال فان الرسالة الاعلامية لا تبلغ هدفها الا بعد اتاحة سماعها او مشاهدتها ما بين 5 و 15 فرصة وقد لا تحصل الغاية لأقل من ذلك، كما قد يتسلل الملل و الضجر ان نحن بالغنا في ترديد الخبر من جهة اخرى. وحتى تتمكن الجمعية من التأثير والاقناع وشد انتباه الجمهور، فانه يتعين عليها تدعيم مصداقيتها وقدراتها على صياغة الخطاب الاعلامي الملائم ونشره بالاعتماد على مقاييس الجودة والكم. وقد توحدت الرؤية في هذا المجال الى حد كبير في الدول المتقدمة، وبصورة عامة فانه يمكن تلخيص أهداف وبرامج الاعلام والاتصال الجمعياتي في 20 نقطة وهي التالية: ـ ربط الصلة الدائمة بالاعضاء ومدهم بالمعلومات التي تعينهم في القيام بعملهم. ـ توسيع القاعدة الشعبية للجمعية ذاتها لتشمل أعضاء أكثر. ـ الحصول على التأييد الشعبي ومواجهة المواقف المناهضة. ـ التوفيق بين وجهات النظر او التقريب بينها وايجاد مواقف ايجابية مشتركة. ـ المشاركة في النهوض بالمهنة وبالمجالات المتكاملة للنشاط. ـ تمكين المشاركين من التأثير على المشرعين عند اعداد القوانين والقرارات. ـ التعريف بالمنتوجات وبالخدمات وخلق مجالات التعاون والتشارك في تطويرها. ـ المساعدة على التدريب المستمر للأعضاء مباشرة أو من خلال الوسائط المتعددة. ـ المشاركة الاعلامية في النهوض الاجتماعي بتبني برامج الخدمات الاجتماعية. ـ تنظيم الندوات واللقاءات التثقيفية والمعارض. ـ جمع الاحصائيات المرتبطة بمجال النشاط وتوزيعها على الاعضاء. ـ تأمين العلاقة مع الدوائر الحكومية وشرح التشريعات والقرارات الادارية. ـ اعداد المعلومات والاعلانات عن الخدمات الاجتماعية وتوزيعها بالوسائل الملائمة. ـ تخطيط وتنفيذ الحملات الاعلامية الدورية والظرفية. ـ اعداد المنشورات ذات الطابع التثقيفي ومن ذلك اشرطة الفيديو واقراص الليزر والمواقع بالانترنت. ـ القيام بالبحوث حول الاعلام المؤسساتي ومقاييس المردودية في مستوى التخصص. ـ النهوض بالعلاقات الجيدة داخل المؤسسة وبين المنتسبين للمهنة الواحدة. ـ السعي المتواصل للمحافظة على الصورة اللائقة وتدعيم الانطباع الايجابي. ـ الالمام بقواعد الاتصال الحديثة والتهيؤ للتعامل مع التقنيات الجديدة. ـ التعريف بأخلاقيات المهنة ومقاييس العمل الجيد والسهر على تطبيق هذه المراجع. وخلاصة القول ان بلوغ هذه الاهداف هو رهين بخروج الجمعيات من طور الهواية الى طور الامتحان الفعلي للعمل الجمعياتي، وان تطور الاعلام الجمعياتي هو رهين بتوفير خطة محكمة تضعها الجمعية موضع التنفيذ بناء على بعد استراتيجي واضح وتعتمد فيه على الأسس والقواعد العلمية التي يستند اليها الاتصال الاجتماعي فهو المنطلق الاول والاخير، وما الاعلام الجمعياتي الى جزء منه. الاعلام الجمعياتي الأميركي لقد تطور عدد الجمعيات الأهلية والمنظمات التي لا تبغي الربح، في الولايات المتحدة الأميركية بصورة مذهلة منذ نصف قرن وتعمل هذه الجمعيات في واقع متغير يشمل بالخصوص: ـ تحول مسئولية العمل الاجتماعي من المؤسسات الحكومية الى الجمعيات التطوعية. ـ تنامي المنافسة بين الجمعيات من اجل كسب تأييد الجمهور وعمله التطوعي ومساهمته المالية. ـ تنامي اهتمام الجمهور بالعمل الجمعياتي وانشغاله بتراجع مصداقية الجمعيات وسوء التصرف فيها خاصة بعد الكشف عن عدة فضائح مالية. ـ التكاليف المتعاظمة لتسييرها وصعوبة جمع التبرعات. وقد ادى هذا الوضع الى ظهور حاجة ماسة في دعم البرامج الاعلامية وبذل المزيد من الجهود في ميدان العلاقات العامة لصالح الجمعيات. والجمعيات المهنية والنقابات تسعى عامة في الولايات المتحدة الى النهوض بمصالح اعضائها من خلال توفر المعلومات والخدمات، وهي تعمل على تقوية مبادئ الانتماء والعمل الجماعي وتدافع عن مواقف الاعضاء لدى السلطات والمجالس الحكومية في المستويات المتعددة. والمنظمات التطوعية تتحمل في أميركا اكثر من أي بلد آخر مسئولية توفر الخدمات التعليمية والثقافية والاعلامية وذلك لسد الفراغ الذي تتركه الدوائر الحكومية والوكالات العمومية والمؤسسات التجارية. الا ان النجاح في هذا النشاط يتوقف على الاتصال المتواصل مع الجمهور المستهدف وتقوية ثقته وتأييده للهيئات والجمعيات المباشرة له وذلك ما يبرر الاقبال المتواصل من طرف الجمعيات على الاعلام ومن خلال العلاقات العامة من اجل تأمين قنوات الاتصال مع من تخدمهم الجمعية وايجاد مناخ يحافظ على الروح التضامنية ويساعد على كسب التأييد في الاوساط الحكومية والمؤسسات الاقتصادية الكبرى. وفي حين تلتقي معظم الجمعيات حول هذه الاهداف والمرامي، فان الجهود الاعلامية تتفاوت كثيرا من جمعية الى اخرى. ذلك ان العديد من المنظمات الأهلية لا تتوفر لها لا الموارد الضرورية او الخبرة اللازمة للقيام بالجهود الاتصالية المتطورة. وتبعا لأهمية الجمعية، فان وظيفة الاعلام والعلاقات العامة فيها يمكن ان تتراوح من مجرد تكليف احد افرادها بنشر بعض البلاغات وتنفيذ بعض الاعمال الاعلامية غير المنسقة الى الاعتماد على ادارة قائمة بذاتها يشرف عليها خبراء متخصصون ويتولون القيام بالبحوث والدراسات اللازمة لوضع استراتيجية اتصالية متكاملة ويسهرون على تنفيذها بفضل الاعتمادات المالية الكافية والموارد البشرية التابعة للمؤسسة او بالتعاون مع المكاتب الخارجية المتخصصة. وطبقا لاحصائيات عام 1993 فان حوالي 80 بالمئة من مختلف الجمعيات تشغل عشرين شخصا او اقل كما ان هنالك مداوما واحدا متفرغا للعمل الاعلامي والعلاقات العامة في 38% من الحالات. وهناك من يعتمد على عدد اكبر من الاعلاميين ومن ذلك الهيئة الطبية الاميركية التي تشغل قرابة الالف موظف في مقرها الاجتماعي بشيكاغو ومنهم 33 عوناً مختصون في الاعلام والعلاقات العامة. وقد أخذت الميول التقليدية والمواقف العامة للجمعيات الاهلية في التغيير العميق، اذ اصبح البعد الاجتماعي الجمعياتي في تزايد مستمر. كما ان الدفاع عن الحقوق المدنية وحماية المحيط والسلامة العمومية وغير ذلك من الاهداف المشابهة تضاعف واستقطب اهتمامات مختلف الشرائح الاجتماعية. ومن جهة اخرى فان تنامي عدد القوانين الصادرة استجابة لضغوط المجموعات وحركات الاحتجاج والمقاطعة ادى الى مناخ اجتماعي يسوده الشك والمصالح المتضاربة، فتعقدت مهمة الساهرين على العمل الاعلامي وتقيدت شروط الانتداب للعمل في العلاقات التي يتعين الاهتمام بها قبل غيرها. ولذلك فان اغلب ما تقوم به اليوم الجمعيات الأميركية تحت عنوان الاتصال الاجتماعي بمختلف اشكاله يخضع لعمل استراتيجي محكم ومتواصل يعتمد على مخطط مرحلي هادف يقوم على مفوم التسويق (هَيُّمًْفٍ) والتصرف حسب الاهداف ويلجأ اكثر فأكثر الى الاعلان بمقابل كما يعتمد على شبكات الاتصال الداخلية والمحلية وشبكة انترنت. الاعلام الجمعياتي الأوروبي تندمج وظيفة الاتصال الاجتماعي في أوروبا ضمن التظاهرات العديدة والمتنوعة التي تقوم بها الجمعيات المخصصة في الأعمال الانمائية والعلمية والتظاهرات الخيرية والانسانية. والملاحظ ان معظم الجمعيات ذات الصبغة الصحية توجه جهودها الى معالجة الآفات الاجتماعية التي يشكوها المجتمع الأوروبي. وتخصص بعض الجمعيات جل مواردها للمنشورات وللاعلام السمعي والمرئي وحملات الوقاية من الأمراض الخطيرة مثل السرطان وعمليات الكشف المبكر عن هذا المرض وما الى ذلك. كما تقوم هيئات وجمعيات عديدة بتنظيم حملات اعلامية بخصوص الاخطار الناتجة عن الكحول والتدخين، والمخدرات، وامراض القلب والشرايين، وامراض الجهاز التنفسي، والامراض التي تنتقل عن طريق الجنس، والايدز وكذلك بشأن العناية الصحية بالبصر وبالفم وبالاسنان. ثم ان هنالك حملات اعلامية اخرى متصلة بحوادث الطرقات والحوادث المنزلية. ولتدعيم الجهود الجمعياتية تخصص المؤسسات العامة المعنية مبالغ هامة للتوعية والتربية والوقاية من الآفات الاجتماعية. من ذلك صناديق التأمين والبنوك والتعاونيات التي تنجز بواسطة الجمعيات الأهلية برامج اعلامية تهدف أساسا الى توعية الضمائر بالمآسي التي يعانيها البشر وحث الجمهور على المساهمة في التخفيف من آثارها. وكان البعض من التظاهرات يتم من خلال تلك الاستعراضات الخيرية التي كثيرا ما وجهت اليها الانتقادات لما تكتسيه من صخب وتثيره من ضوضاء. ومن جهة اخرى نشطت في السنوات الأخيرة بكافة بلدان المجموعة الاوروبية الحملات الاعلامية الهادفة الى تدعيم الكيان الأوروبي الجديد. ونادى القادة الاوروبيون مختلف الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الى المشاركة بصورة او باخرى في تعميق الوعي الشعبي بأهمية هذا الخيار فاستجابت جمعيات عديدة وظهرت هيئات جديدة للمساندة، كما تحركت جمعيات شعبية معارضة لمناهضة هذا المشروع واقناع الجمهور برفضه. ـ كاتب تونسي