السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 تؤكد العديد من المؤشرات بأنه ثمة ضغوطاً دولية وإقليمية هائلة تبذل من أجل لجم الصراع الدموي والمدمر بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو على الأقل تهدئة وتيرته، بعد أن فقد الطرفان السيطرة عليه، مع أكثر من 700 قتيل من الإسرائيليين وأكثر من 2200 شهيد من الفلسطينيين والتدهور في الحال الاقتصادية لدى الطرفين وانسداد العملية السياسية بينهما، وذلك في دوامة الحرب على الوجود وكسر الارادات التي يخوضان غمارها منذ عامين. ويبدو أن الأطراف الدوليين والإقليميين وجدوا أنه لا بد من تصعيد ضغوطهم على الطرفين المتصارعين، في هذه الفترة، استشعارا منهم بالمخاطر الكبيرة التي يمكن أن تنجم عن التصعيد الحاصل في هذا الصراع، لاسيما من قبل إسرائيل، ضمن مناخات الحرب الأميركية المحتملة ضد العراق، وتحت وطأة الحديث عن تغيير الخرائط في المنطقة، وهما أمران سيكون لهما نتائج كبيرة، إن على صعيد دول المنطقة، أو على صعيد دول الجوار الإقليمي والمجموعة الأوروبية. ولاشك بأن هذه الضغوط نجمت، أيضا، عن ترسّخ قناعة دولية مفادها أن الطرفين المعنيين (الإسرائيليين والفلسطينيين) باتا أبعد ما يكون، وأكثر من أي وقت مضى، عن التوصل لوحدهما إلى اتفاق ما على التهدئة والتسوية، الأمر الذي تطلّب تدخّلا دوليا فاعلا لوضع حد لهذا الصراع المعقد والمديد، وفرض حل وفق أجندة دولية متوافق عليها. وطبيعي أن هذه التدخلات الدولية ما كان لها أن تؤتي ثمارها في ظل الوضع السياسي المغلق لدى الطرفين، ورغما عنهما، وهو الأمر الذي استدعى الدفع نحو انتخابات إسرائيلية مبكرة (انتهت بفوز الليكود)، كان يؤمل منها إحداث تغيير سياسي يساعد على تحديد أولويات إسرائيل الداخلية ويمكّن من إحياء عملية التسوية من جهة؛ ومن جهة مقابلة، استدعى ذلك جمع القيادات الفلسطينية، في القاهرة، لحضّها على التوافق على استراتيجية سياسية وكفاحية معينة، تقربهم من هدفهم، وتمكنهم من صوغ علاقاتهم الداخلية على أسس جديدة ما يجنّبهم المخاطر المحيقة بهم، في هذه الظروف غير المواتية. وهكذا بينما اتجه الإسرائيليون لصناديق الاقتراع لاختيار قيادتهم وحسم طريقهم السياسي، اتجه الفلسطينيون إلى عقد اجتماعات مكثّفة لقياداتهم، هي الأولى من نوعها منذ أكثر من عقدين، وبرعاية مصرية (ودولية وإقليمية)، لتحقيق التوافق الوطني على مختلف القضايا ومواجهة التحديات المطروحة عليهم. ومشكلة هذا السيناريو، ومن مختلف المؤشرات الواردة، أنه ليس له حظ مضمون من النجاح، إذ أن الطرف الإسرائيلي، خصوصا في هذه المرحلة، أبعد ما يكون عن التجاوب مع الجهود الدولية، وتجربته مع خطة «خريطة الطريق»، لا تبشر بالخير، لا سيما بعد أن قال عنها شارون انها لا شيء! ويبدو أن إسرائيل تلقى تشجيعا، في سياساتها العدوانية المتغطرسة، من طبيعة الأوضاع السائدة على الصعيد الدولي، فأوروبا لم تعد تقرر في مصير المنطقة، في حين أن الإدارة الاميركية باتت خاضعة لتوجهات «المحافظين الجدد»، من اليمينيين والمتدينين المتطرفين، المؤيدين لنهج الليكود، والذين يعتبرون من عتاة المدافعين «عن إسرائيل وعن تفوقها النوعي في المنطقة، بل إن هؤلاء يبدون أكثر صهيونية من الإسرائيليين بتشجيعهم إسرائيل على التخلي عن الطريق الذي انتهجه حزب العمل (التسوية والشرق أوسطية) لأنه، برأيهم، يقود إلى إضعاف إسرائيل وإلى موت الصهيونية في المجتمع الإسرائيلي! ويطالب هؤلاء، إسرائيل وأميركا، بالعمل على صوغ شراكة، على أسس جديدة، قوامها تعزيز الدعم الاميركي لإسرائيل وعدم التدخل بشئونها وتركها لتتدبر أحوالها في المنطقة وفرض التسوية والترتيبات الإقليمية على العرب، بما يتلاءم والشراكة الاميركية ـ الإسرائيلية، من دون فرض املاءات معينة على إسرائيل، ربما، تخل بأمنها أو بمبررات وجودها. وللأسف فإن الوضع على الصعيد العربي ليس أفضل حالا، ما يشجع إسرائيل، أيضا، على المضي بغيها، ذلك أن النظام العربي ضعيف ومشتت، وهو منشغل عن مواجهة التحديات الإسرائيلية، بتجنّب التداعيات التي يمكن أن تلحق به، في إطار الحرب الاميركية الهستيرية ضد الإرهاب أو في إطار التداعيات التي يمكن أن تنجم عن الحرب الاميركية المبيتة ضد العراق، لا سيما أن خطاب بوش المتعلق بالشرق الأوسط (يونيو 2002) وخطاب باول بشأن مبادرة للشراكة الاميركية ـ الشرق أوسطية (ديسمبر 2002) وضعت النظام العربي في مواقع دفاعية صعبة وحرجة، بعد أن باتت أميركا تبتزه بدعوى نشر الديمقراطية في المنطقة، وبدعوى الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي. وعلى المستوى الداخلي فإن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لن تقدم أي جديد، بالنسبة للفلسطينيين، ذلك أن أية حكومة إسرائيلية سيتم تشكيلها، بزعامة الليكود ورئيسه أرييل شارون، ستواصل استفرادها بهم عبر الاستمرار في شن عمليات التدمير والتقتيل ضدهم وتقويض مؤسساتهم الوطنية والتخلص من مجمل استحقاقات عملية التسوية معهم؛ وهو الأمر الذي توضّحت معالمه في المجزرة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في قطاع غزة مؤخراً، كما في تلميحات القادة العسكريين الإسرائيليين بإمكان معاودة فرض السيطرة الإسرائيلية على كامل هذا القطاع. ولا شك أن هذه الحكومة ستعمل، أيضا، على دمج حربها ضد الفلسطينيين بالحرب الدولية ضد الإرهاب، كما ستحاول تجيير الحملة الاميركية المبيتة ضد العراق، لخلق فوضى سياسية عارمة في المنطقة تمكنها من تعديل خطة «خريطة الطريق»، التي تتبناها «اللجنة الرباعية»، عبر فرض املاءاتها وتعظيم مكاسبها في عملية التسوية وفي مجمل الترتيبات الإقليمية الناشئة عن الأوضاع الجديدة التي يمكن أن تنشأ بعد التخلص من الملف العراقي، سلما أو حربا. وعلى أية حال فإن نتائج هذه السياسة لن تكون أفضل على الإسرائيليين، إذ أن التصعيد الإسرائيلي سيواجه من قبل الفلسطينيين بردة فعل عنيفة، كما بينت التجربة، ما يعني أن الإسرائيليين سيواجهون في المرحلة المقبلة مزيدا من التدهور في أوضاعهم الأمنية والاقتصادية والسياسية، في ظل الشلل الوطني الذي يعيشون فيه، نتيجة عدم حسمهم لأمورهم. ويؤكد على ذلك ايتان هابر، بقوله:ستدخل الانتخابات الراهنة كانتخابات زائدة لا داعي لها، مسرفة، فارغة، مقفرة، ولدت في الخطيئة وماتت بالعار..لا تسارعوا إلى إعادة الصناديق إلى المخازن..ما ينتظرنا هو واحدة من السنوات القاسية في تاريخ دولة إسرائيل وربما الأقسى..أمنيا واقتصاديا وسياسيا.(يديعوت أحرونوت 26 يناير). في المقابل، يبدو أن الفلسطينيين، وبرغم من كل هذه الأوضاع والمعطيات الخطيرة، وإزاء كل التحديات التي تعصف بهم وبعموم المنطقة العربية، غير قادرين، بحسب حوارات القاهرة المتعثرة، على التصرف وفق حسابات سياسية موضوعية تخرجهم من أسر الارتهان للشعارات والتمنيات والرغبات، وكأنهم اعتادوا على هذه الحال من الفوضى والتكلس وتبديد الطاقات التي تتّسم بها الساحة الفلسطينية منذ زمن. ومعنى ذلك أن الطرفين المعنيين مباشرة (الإسرائيليين والفلسطينيين) أدمنا أو اعتادا على الحال الراهنة، وهذا ما يفسر أن المجتمع الإسرائيلي يقف بغالبيته خلف شارون، برغم من أنه في عهد هذا الرجل قتل أكبر عدد من الإسرائيليين وشهدت إسرائيل تدهورا اقتصاديا وأمنيا وسياسيا كبيرا، كما يفسّر ذلك أن الفلسطينيين وبرغم كل معاناتهم وتضحياتهم مصرون على المضي في طريقهم مهما كان الثمن ومهما كانت المخاطر التي تتهددهم، في حاضرهم أو مستقبلهم. وفي دوامة هذا الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين وفي إطار هذا الانسداد في الأفق السياسي وانعدام الثقة والأمل بينهما، يبدو أنه ليس ثمة إمكانية لإخراج هذين الطرفين، من حالة الصراع والإفناء المتبادل وانسداد الأفق السياسي، إلا عبر تدخل دولي وإقليمي حاسم وفعال، يضع حدا لحال الاستفراد الإسرائيلي بالفلسطينيين ويتيح لهؤلاء أفقا سياسيا يليق بهم وبتضحياتهم، ويفتح المجال أمام عملية تسوية حقيقة قائمة على التوازن والعدالة وليس على أساس القوة وشريعة الغاب؛ ويبدو أن هذا المسار هو ما تراهن عليه القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في هذه المرحلة. ـ كاتب فلسطيني