السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 التفكير في الحرب الأميركية على العراق وتداعياتها عربياً وإقليمياً ودولياً لا يمكن للمرء ـ مهما سعى ـ الفكاك منه... سيل التصريحات الأميركية المهددة والممهدة لحرب باتت الخبز اليومي للسواد الأعظم منّا إن لم يكن الكل. قوافل الحشود البحرية والبرية والجوية العابرة للبحار والمحيطات والصحارى حوّلت العالم إلى معسكر حربي صغير مفرداته اللغوية المدفع والصاروخ والقاذفة. لا مكان لصوت العقل بعد أن جنحت القوى الكبرى التقليدية في التعاطي مع الأزمة العراقية إلى أسلوب نساء الحواري الشعبية ورأينا وصلة «الردح» الدولية ما بين أميركا المتفاخرة بجبروتها وقوتها الغشوم، وأوروبا «القديمة» المدافعة عن بقايا أخلاق دولية آخذة في التلاشي تحت سياط السيد الأميركي الأوحد! وفي خضم التوتر الإقليمي والدولي والأعصاب المشدودة، أصبح مصير العراق والمنطقة بأكملها معلقاً بضربة عسكرية تستعجل واشنطن في كسب التأييد لها، وإلا فإنها ماضية إلى نهاية الشوط بمفردها إن تطلب الأمر. وسط هذه الأجواء المفعمة بالقلق نشطت بورصة المراهنات على مد الأمم المتحدة عمل المفتشين أشهراً ورفض أوروبي للحرب ممثلاً في موقف كل من ألمانيا وفرنسا، بينما لا تزال روسيا تتأرجح ـ حتى الآن ـ بين إغراءات أميركية بوعود سابقة لم تنفذ، وسعي أوروبي لجر الدب الروسي إلى حظيرة «المشاكسين» للكاوبوي الأميركي.. وتبقى معارضة التنين الصيني خجولة وغير ملموسة على الصعيد الإعلامي على الأقل. عربياً.. الإخفاق الرسمي لا يحتاج برهاناً فهو ظاهر للعيان، ولعلّ في قمة اسطنبول السداسية خير دليل على أننا لم نعد نملك من أوراق اللعب شيئاً مذكوراً، وتحوّل مصير المنطقة بيد جيران طالما كانوا الخنجر في الخاصرة العربية خاصة في أوقات الأزمات العصيبة كتلك التي نحياها ونعايشها حالياً، ولا يغرنك تمسح البعض في روابط قديمة مع العرب فالمصالح فوق كل اعتبار إذا جاء وقت المعمعة. خطة «الصدمة والرعب» التي سربتها واشنطن في إطار الحرب النفسية يلخص عنوانها الوضع العربي ـ الرسمي طبعاً ـ فالكل يسعى إلى تجنب غضبة كبرى لا تقف عند حدود إزاحة صدام من «مملكة الشر»، وقبل أن يبكي البعض ملكاً لم يدافعوا عنه بمنطق الرجال! وهنا يبقى الشارع العربي مظلوماً في معادلة الرهان عليه في الضغط وزحزحة حالة الخوف الرسمي بفعل «صدمة الرعب» الأميركية.. فمنذ سنوات استهلك الشارع العربي في حواري وأزقة تدبير لقمة العيش المستعصية، مع غلبة أنظمة تكلست مفاصلها وتيبست ملكاتها الإبداعية ـ المشكوك فيها أصلاً ـ وبما جعلنا ننتقل من سيئ إلى أسوأ في غابة دولية لا ترحم ولا تعطي الضعيف فرصة التقاط الأنفاس. هذا لا يعني أن الشارع العربي استسلم نهائياً للقدر المحتوم، وبصيص الأمل يأتي أحياناً على شكل حشود غاضبة في شوارع هذه العاصمة العربية أو تلك، إلا أن ذلك لا يعني أيضاً أن الهدير الشعبي يمكن أن يقلب معادلة معقدة تجسد المأساة العراقية عنوانها الأبرز. وليس غريباً في ظل هذا الوضع العربي المأزوم أن ترتبك الرؤية وتعلوها الغيوم، ما يجعل البعض ـ أحياناً ـ يقع في حبائل جدل عقيم حول حمائم وصقور واشنطن وما إذا كان منطق الحمائم تلقى هزيمة نكراء على يد صقور الإدارة أم لا تزال هناك جولة أخرى؟ لقد فات البعض أن لغة الحمائم والصقور في العُرف الغربي عموماً والأميركي خصوصاً تتباعد عن منطقتنا بُعد المشرق الذي نعيشه والمغرب الذي يتسربل فيه صانع السياسة الأميركية. فالفرق بين الحمائم والصقور عندهم ينصب على طريقة التهامنا وهل سيكون بالشوكة والسكين وبطريقة حضارية أم يتم الفتك بنا بأسلوب إنسان ما قبل التاريخ؟ وفي الأخير نحن أمام كابوس مزعج ساهمنا في صُنعه عندما تخلينا عن عناصر ومقومات قوتنا وتلهينا بخلافات ثانوية عديدة، حان تسديد فواتيرها المستحقة وربما تكون ضربة العراق بداية القسط الأول!