السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 غير معقول أن تصاب الأدمغة العربية بالشلل إلى هذا الحد فيما يختص بالأزمة العراقية.. ويجافي العقل أن نظل هكذا مكتوفي الأيدي، نعاني العجز والاستسلام في انتظار المجهول الأميركي الذي سيجيء. مستحيل أن تصاب أمة كأمتنا بالعقم وفيها من الساسة والمفكرين والكتّاب والمثقفين والفنانين وقادة الرأي وأصحاب العمائم والقلنسوات من فيها.. هل أضحى كل هؤلاء مجرد «هواء» أو «بغاث» تاركين أوطانهم يمارس عليها أبشع نوع من «الإخصاء» وهم بعيون مفتوحة يُراقبون دون أن يحركوا ساكناً؟ رضاؤنا بالعدوان الأميركي قبول بإخصاء تاريخي نحتاج بعده إلى عقود طويلة حتى تسترد الأمة رجولتها من جديد إذا ما استردتها.. إخصاء بالصوت والصورة يذاع على الهواء مباشرة.. يجري على أجسادنا ونراه بعين كسولة كأنما الضحايا كائنات أخرى من خارج الكوكب. نحن نعيش لحظة تاريخية غير مسبوقة.. لحظة بلغنا فيها من الضعف والفرقة ما بلغنا، لكن هواننا لا ينبغي أن يغلق عقولنا، وخوفنا لا يجب أن يمنعنا من استخدام الطلقة الأخيرة من مسدساتنا خاصة إذا ما كانت النتيجة موتاً محققاً إذا لم نستخدمها واحتمال موت إذا استخدمناها. لأي شيء أنشئت جامعة الدول العربية إن لم تكن ولو شمعة واهنة في الظلمة القاتلة التي نعيشها في هذه اللحظة التاريخية؟ ولأي شيء ستبقى بعد أن تغزو الجيوش الغازية أرض العراق تحتلها وتنهب ثرواتها وأي معنى لوجود مثل هذه الجامعة، أو هدف مُرتجى من وراء بقائها إذا ما حدث الغزو الوشيك؟ يجب أن نتحلى بالشجاعة حين نفكر، وأن نبتكر من إيجاد الحلول المتاحة قدر استطاعتنا، حتى ولو كان في هذه الحلول كسر لتابوهات ظلت موجودة لعقود طويلة. وإلا كنا كمن يترك صبية تحترق عارية في حمامها، خوفاً من أنه لو حاول إنقاذها فسيرتكب جرم رؤيتها عارية. قاعدة «أخف الضررين» قد تكون هي الأنسب لحال العراق، وعلينا أن نقدم عليها بشجاعة. وفي اعتقادي أنه لا شيء يمكن أن يمنع العدوان غير اقتراح جريء تتولى جامعة الدول العربية بمقتضاه إدارة العراق لفترة مؤقتة لمدة ستة أشهر أو عام بعدها يتم اجراء انتخابات نزيهة يختار العراقيون فيها من يحكمهم دون تدخل أجنبي من أي نوع كان. تقتضي الفكرة إجراء مشاورات تمهيدية مع القيادة العراقية يحاط فيها أركان هذه القيادة علماً بالأخطار التي تنتظر بلادهم وأن هذه المبادرة الجريئة تُجنّب العراق ويلات حرب وشيكة وتُجنّب أشخاص أركان الحكم مطاردات دولية، كما تمنع احتلالاً وسيطرة أجنبية على مقدرات البلاد. إذا لم توافق الإدارة العراقية على طرح كهذا تكون الجامعة ممثلة لأنظمة الحكم العربية قد أبرأت ذمتها من الخطيئة التاريخية التي ستحدث والتي لن تختلف كثيراً عن غزو هولاكو لبغداد. أما لو وافق القادة العراقيون، وهذا هو الاحتمال الأرجح حرصاً منهم على وطنهم تأتي الخطوة التالية، وهي التقدم لمجلس الأمن الدولي بمشرع قرار من بنود قليلة هي: ـ تقوم القيادة العراقية بتسليم مقاليد السلطة في البلاد تسليماً طوعياً إلى حكومة مؤقتة تشكلها جامعة الدول العربية من شخصيات سياسية عربية لا خلاف عليها على أن يرأس هذه الحكومة المؤقتة أمين عام جامعة الدول العربية. ـ تلتزم الجامعة التزاماً كاملاً ودائماً بتأمين أركان القيادة العراقية وتوفر لهم حياة آمنة في بلدهم العراق كما تؤمن ممتلكاتهم وأفراد عائلاتهم ضد أي مطالبات أو ملاحقات دولية أياً كان من ينادي بها. ـ تقوم الإدارة الأميركية وحلفاؤها بسحب الحشود العسكرية الموجودة في منطقة الخليج والتي ذهبت إلى هناك بهدف الاستعداد لشن حرب ضد العراق. ـ تُجري الجامعة تحت إشرافها انتخابات حرة ونزيهة يختار فيها العراقيون بملء إرادتهم السلطات التشريعية والتنفيذية التي تتولى إدارة شئون البلاد، وبعد الانتخابات يتم تسليم البلاد للسلطة الجديدة. ـ يقوم مجلس الأمن فور إقرار هذا المشروع بإبطال كل قراراته السابقة التي يفرض المجتمع الدولي بموجبها حصاراً على العراق، كما يُلزم المجلس أميركا وبريطانيا بإلغاء منطقة الحظر الجوي المفروضة شمال وجنوب العراق دون استناد إلى قرارات دولية. ـ للسلطات العراقية الجديدة حق التصرف فيما يخص أمور التسليح والتصنيع بما يضمن أمن وسلامة البلاد بالطريقة التي تكفلها المواثيق الدولية المختصة بصون سيادة واستقلال أعضاء الأمم المتحدة، ودون أن تمثل إجراءاتها خرقاً لأي مواثيق ارتضاها المجتمع الدولي لتسيير أموره. ـ إذا تم رفض هذا المشروع يكون من واجب أعضاء الجامعة العربية إعمال اتفاقية الدفاع العربي المشترك، والتصدي لأي هجوم تشنه الولايات المتحدة وحليفاتها ضد العراق. ويكون مجلس الأمن مطالباً بكف يد أي معتد على العراق، والتصرف بما يكفل السلم والأمن الدوليين. لا شك أن مشروعاً كهذا سيخلق أوضاعاً جديدة في المجتمع الدولي تجعل الولايات المتحدة تبدو وحيدة في مواجهة العالم بأسره وطالبة حرب في وجوه من يطلبون السلام. باعتباري مواطناً عربياً حريصاً على تراب بلاده أرفع هذا الاقتراح إلى عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية وإلى الملوك والرؤساء والأمراء العرب كل واحد باسمه وألقابه المحفوظة، وأناشد كل وطني مخلص أن يمارس ضغطاً من أجل أن يرى النور.. فالظلمة تحيط من كل اتجاه.. ولا وقت حتى لإضاءة الشموع.