السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 رغم دخولنا الألفية الثالثة فاننا لانلمس في واقع الحال تقدماً كبيراً أو حلاً ناجحاً لكثير من قضايانا التنموية وعلى رأسها قضايا المرأة وبالتحديد دورها في مسيرة التنمية الشاملة. دخلنا القرن الجديد ويحل علينا اليوم (1/2) يوم المرأة العربية والمرأة العربية لاتزال مهمشة ونحن لا نزال نناقش أحقيتها في المشاركة السياسية وحقوقها في المجتمع وفي العمل وهي جميعاً مسلمات انتهى العالم المتقدم من حسمها منذ قرون. لقد شهد عالمنا العربي منذ عقود انبثاق الحركات النسوية ومحاولاتها لتحقيق المساواة بين المرأة والرجل دون أن يصادفها النجاح نفسه الذي حصلت عليه الحركات النسوية في الغرب. يبدو من الواضح بمكان أن هذه الحركات النسوية لم تبن استراتيجياتها على ادراك واضح وموضعي لفروقات الثقافة الحضارية المتوارثة «Culture» بين الشرق والغرب وخاصة في العالم العربي والاسلامي. لذا فان هذه الحركات اتسمت في بعض الأحيان بالتركيز على مظهرية عدم المساواة وفي أحيان كثيرة بعدم فرز ربما عفوي للفرق الأساسي بين المساواة المطلقة التي تغفل الفروق البيولوجية والنفسية بين الرجل والمرأة وبين تكافؤ الفرص لكليهما. الواقع أننا في العالم العربي رغم اعجابنا وانبهارنا المطلق بكل ما هو غربي لم نواكب حتى تطور المفهوم الذي يحكم علاقة المرأة بالرجل في الغرب. ومنذ أكثر من عقدين، من المساواة «Equality» إلى تكافؤ الفرص «Equal Opportunities» ولربما ما يثير الأسف كثيراً أننا قد لا نجد قانوناً وضعياً في الغرب نص على مبدأ تكافؤ الفرص كما نصت عليه آيات القرآن الكريم بكل عمق وبلاغة لغتها العربية، ومنذ أكثر من 1400 سنة، دون ان تصبح هذه الآيات والنصوص منهج ومحور تعاملنا مع قضايا المرأة. من الناحية الأخرى فان بعض الطروحات غير المدروسة لبعض الحركات النسوية قد ساهمت في اذكاء جذوة الميول المحافظة التي كانت ولاتزال متوقدة. وفي الوقت الذي لم تستطع الحركات النسوية في العالم العربي تحجيم تلك الميول المحافظة، فان الميول المحافظة ذاتها لم تستطع التمعن بنصوص مبدأ تكافؤ الفرص التي جاءت بها آيات القرآن الكريم. هذا اضافة إلى أن تلك الميول المحافظة لم تستطع أن تدرك حقيقة كون المرأة ليست فقط نصف المجتمع ولكنها ايضاً تؤثر في النصف الآخر. فالمرأة شئنا أم أبينا هي مستقبل الرجل وصانعة أجيال الأمة. لقد أثار استغرابي كثيراً تلك الصدمة التي عانى منها الكثير من مثقفينا لما احتوى عليه تقرير الأمم المتحدة حول التنمية في العالم العربي وخاصة الهامشية المذهلة لدور المرأة في التنمية، ولا أدري ما هي الدلالات أو المؤشرات التي تجعلنا نعتقد غير ذلك. بدون شك فأنه من المؤلم جداً أن نستمع لوزير خارجية الولايات المتحدة «كولن باول» وهو يصرح بأن بلاده رصدت 27 مليون دولار لاصلاح حال العرب وعلى رأسها حال المرأة العربية، ليس فقط لبخاسة هذ المبلغ وليس لكونه «كلمة حق أريد بها باطل» بل لكونه نقل لنا بجلاء مرارة واقعنا رغم كل ما أنفقناه على التعليم وعلى نقل مظاهر تطور الغرب لبلداننا. لقد آن الأوان لكي ندرك بأن الفلاسفة والشعراء والجنود والزعماء والمنظرين يبقون عاجزين عن اخراج المرأة من ظلمات التاريخ الاجتماعي الذي يشكل مفردات الثقافة الحضارية المتوارثة «Culture» فيما يتعلق بموقف هذه الثقافة من المرأة. المرأة وحدها ولا آحد سواها بوسعها أن تحطم قشرة التاريخ المتقرنة فتخرج معها الأمم إلى الوجود المستنير والأداء الفاعل. إذا أردنا أن نحقق نهوضاً حقيقياً للمرأة لابد من أن نؤهل المرأة لكي تؤمن بضرورة دورها الذاتي كعامل التغيير الحقيقي وليس عبر آخرين من أفراد المجتمع مهما حسنت نواياهم وصلحت اراؤهم وفلسفتهم. لذا علينا أن نعمل على ايجاد صنف من النساء اللاتي يمتلكن زمام المبادرة. نساء قادرات على الاداء الفاعل والمتكامل مع الرجل. نساء يدركن ان على المرأة أن تعيد صياغة عالمها بحيث تتحقق مشاركة الرجل والمرأة وتتداخل فعاليتهما في فضاء تكافؤ الفرص والندية الخلاقة لافي حلبة الصراع والازاحة. لقد آن الأوان لتجاوز كل المعوقات بجسارة من أجل خلق مجتمعات فاعلة وعلى المرأة أن تكون في مقدمة مسيرة التغيير وأن تتصدى لدورها الريادي في التنمية الشاملة بكل ثقة. ولكي لا نكتفي بالكتابة والتنظير فقط كما يحلو لنا كثيراً فانني هنا أطرح الخطوط العريضة لمشروع انشاء «مؤسسة المرأة للتنمية» هذه المؤسسة ليس الهدف منها، كما يدل على ذلك اسمها، هو تنمية المرأة ذاتياً فقط، بل أن تكون منصة انطلاق لعدد كبير من الكفاءات النسوية الاماراتية والعربية لكي تساهم مساهمة فعالة في التنمية البشرية التي اصبحت حاجتنا لها مثل حاجتنا للأوكسجين لكي نستطيع الاستمرار في وجودنا بين الأمم والذي أصبح مهدداً الآن اكثر من اي وقت مضى. لابد لنا أولاً من استقراء تحليلي لواقع مساهمة المرأة الاماراتية في جهود التنمية ورصد وتحليل الجهود التي بذلت للنهوض بها. نظرة استقرائية لتقييم مساهمة المرأة لأغراض التنمية عند استقراء بسيط للأحصائيات والدراسات المتوفرة نجد الظواهر التالية: ـ ارتفاع متزايد لنسبة الإناث في مخرجات التعليم حيث شكلت الخريجات سنة 2000 نسبة تصل إلى 69% من إجمالي خريجي التعليم العالي. ـ زيادة انخراط المرأة الاماراتية في العمل حيث وصلت نسبتها في عام 2001 الى 59% من اجمالي القوى العاملة المواطنة على مستوى الدولة. ـ حضور واسع للمرأة الاماراتية في الوظائف التقليدية (التعليم، التمريض، والخدمات الاجتماعية) وضعف وجودها في الوظائف القيادية، اذ لا تشكل اكثر من 8% مع ضآلة وجودها في القطاع الخاص. ـ عدم التناسب بين مساهمة المرأة في التنمية كماً ونوعاً، حيث تمثل كماً النسبة الغالبة في مخرجات التعليم العالي مع تفوقها الواضح في التحصيل الدراسي، الا انها لم تتمكن من الوصول الى المواقع القيادية المؤثرة في حركة التنمية بشكل يتناسب مع مساهمتها الكمية. ـ القيم التقليدية تحد من دور المرأة التنموي، 30% من الذكور لا يوافقون على عمل المرأة و70% منهم وضعوا شروطاً صعبة لعملها، كعدم الاختلاط والعمل في الوظائف التقليدية. ـ نظرة المرأة التقليدية لدورها في التنمية، اذ فضلت 95% من النساء العمل الحكومي والخدمي على العمل المهني ذي الصلة الوثيقة بالتنمية. ـ هامشية دور المرأة في الاعمال الحرة حيث 52% من نشاطها التجاري محصور في الأزياء وصالونات التجميل. ـ عجز سوق العمل عن استيعاب المزيد من المواطنات الراغبات بالعمل حيث يشكلن نسبة 80% من اجمالي المواطنين الباحثين عن عمل. ـ الحاجة الملحة إلى إعداد المرأة الاماراتية إعداداً يفي بمتطلبات التنمية: ـ أكدت «هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية أن مشكلة توظيف النساء تتطلب تدخلاً ايجابياً من جهات الاختصاص تعليماً وتدريباً. ـ أكدت دراسات الاتحاد النسائي العام أهمية معالجة ظاهرة البطالة بين خريجات التعليم العالي عن طريق وضع برامج لإعادة تأهيلهن. ـ أكدت دراسات مؤتمر «المرأة والتنمية في العالم العربي» الذي عقد سنة 2001 في الامارات اهمية اعداد المرأة من خلال التنوير والتثقيف والتدريب. ـ أكدت 64% من الاماراتيات وجود قصور في تأهيل وتدريب المرأة. ـ أكدت 40% من الاماراتيات غياب النصوص التي تضمن تكافؤ الفرص بين الجنسين. جهود النهوض بالمرأة في الإمارات ـ اهتمام واضح من القيادة السياسية بنهوض المرأة. ـ تأسيس الاتحاد النسائي العام سنة 1973 برئاسة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك. ـ تأسيس عدد من الجمعيات النسائية الأخرى (نادي الفتيات وملتقى الأسرة، جمعية النهضة النسائية، نادي دبي للسيدات، مجلس سيدات الأعمال). أهم أنشطة المنظمات النسوية ركزت الجمعيات والمنظمات النسائية في الامارات على نشاطات تمحورت على ثلاثية «المرأة، الطفل، والثقافة»، ويمكن حصرها بما يلي: انشطة داخل الإمارات: ـ محو الأمية. ـ الاهتمام بصحة المرأة والطفل وفتح حضانات للأطفال. ـ دعم الاسر المنتجة. ـ محاضرات ولقاءات مفتوحة ودورات تدريبية عامة. ـ تحسين ظروف العمل ومساعدة بعض الفئات للحصول على عمل. ـ أنشطة رياضية، وبرامج ترفيهية وتوعية وارشاد. ـ اعداد الدراسات والاحصائيات حول المرأة. ـ تنظيم الاحتفالات الدينية وفعاليات لخدمة المرأة المسلمة. ـ السعي لمشاركة المرأة سياسياً. ـ العمل على انشاء مجلس أعلى للامومة والطفولة. أنشطة في اطار المشاركات الخارجية: ـ المشاركة في المؤتمرات والتجمعات النسائية العربية والدولية. ـ الاهتمام بالشئون المحلية والاقليمية، ومثالا على ذلك توفير الدعم المادي والمعنوي لدعم الانتفاضة في فلسطين. ـ استضافة المؤتمرات والمنتديات والتجمعات النسائية. ـ تقديم جوائز أدبية وثقافية لعدد من الشخصيات النسائية العربية. تقييم جهود النهوض بالمرأة في الإمارات: ـ بذلت المنظمات النسائية جهودا كبيرة لدعم المرأة. ـ ركزت الجهود على تهيئة المناخ المناسب لنهوض المرأة ولم تركز على تطوير المرأة ذاتياً. ـ جهود النهوض بالمرأة جاءت من اطراف خارجية لا من النساء أنفسهن. ـ أصبحت تلك الجهود، كما اشارت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حرم رئيس الدولة، بحاجة إلى تحديث. لذا جاءت «الاستراتيجية» التي أعلنها الاتحاد النسائي مؤخراً محاولة جادة في هذا المسار. ـ رغم كل الإنجازات وحجم الجهد المبذول بقي النقاش العام منصباً على البديهيات التي تجاوزها العالم المتقدم. ـ ضعف التركيز على التطوير الذاتي للمرأة، وضعف إيمانها بدورها كعامل تغيير أساسي. مشروع إنشاء مؤسسة المرأة للتنمية (وِدْ) Women Institute for Development (wid) مبررات إنشاء مؤسسة المرأة للتنمية ـ الحاجة لتنمية المرأة ذاتيا لتصبح عامل التغيير الحقيقي في المجتمع من خلال التطوير والتدريب والتنوير والتثقيف. ـ ضرورة التصرف بسرعة للنهوض بالمرأة الاماراتية للاستفادة من مساهمتها الفعالة في جهود التنمية الشاملة، خاصة مع تزايد الاهتمام المحلي والعربي والدولي بمبادرات وجهود النهوض بالمرأة. ـ الحاجة لوجود عمل مؤسسي يضمن استمرارية جهود النهوض بالمرأة خاصة مع عدم شمولية وعدم موضوعية عدد من المبادرات التي ظهرت مؤخراً حيث انصبت على محاولات مثل رصد جوائز تشجيعية للمرأة وجاءت وكأنها تكافيء منتجاً تلقائياً لم تساهم تلك الجهات بانتاجه. ـ سوف تهييء هذه المؤسسة الفرصة للعديد من الكفاءات النسائية الاماراتية والعربية للانضمام إليها وتقديم ابداعاتها، كما أنها سوف تساهم في تعديل التركيبة السكانية. بسم الله الرحمن الرحيم «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً». الرؤية: تمكين المرأة من التكامل مع الرجل في أفق شراكة حقيقية تستند على تكافؤ الفرص من أجل بناء مستقبل أفضل. بسم الله الرحمن الرحيم «لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» الرسالة: تنمية المرأة القادرة ذاتياً على صياغة حضورها بفعالية في مسيرة التنمية الشاملة. الأهداف الاستراتيجية ـ تطوير القدرات الذاتية للمرأة الإماراتية واعداد قيادات نسوية وتحفيزها للعب دور محوري في عملية التنمية الشاملة. ـ تطوير التشريعات التي تساهم في تفعيل دور المرأة في التنمية. ـ تطوير صورة المرأة في المناهج التعليمية والاعلام وفقا لمتطلبات التنمية. ـ تفعيل مساهمة المرأة في الاعمال الحرة. ـ العمل على رصد وتغيير الممارسات الادارية والاجتماعية التي تحد من فاعلية دور المرأة في التنمية. ـ توفير الرعاية المتخصصة للمرأة الاماراتية لمساعدتها في أدوارها الاجتماعية المختلفة. المسارات الرئيسية لعمل المؤسسة التأهيل والتدريب التطوير الذاتي self - Development إعداد قيادات المستقبل Developing Future Leaders إدارة الضغوط Stress Managemet مهارات بناء فرق العمل Teams Building Skills برامج التربية الفعالة Assertive Parenting خدمات التعليم الإلكتروني E-Leaming برامج تقنية المعلومات Information Technology الخدمات الاستشارية ـ تقديم استشارات متخصصة لاصحاب القرارات وللمنظمات العربية والعالمية فيما يتعلق بشئون المرأة والتنمية. ـ تقديم استشارات للمرأة في أمور التربية، إدارة شئون العائلة، والرعاية النفسية. البحوث والدراسات ـ إعداد بحوث ودراسات متخصصة في شئون المرأة. ـ تأسيس مركز بيانات شامل للمنظمات العربية والعالمية التي تعني بشئون المرأة والتنمية. ـ اصدار مجلة فصلية لنشر بحوث «المرأة والتنمية» مع جملة من الاصدارات الارشادية والتثقيفية. ـ تبني برامج تلفزيونية وإذاعية لطرح أحدث البحوث في قضايا المرأة. ـ عقد واستضافة المؤتمرات والندوات الخاصة بقضايا المرأة. ـ اطلاق جائزة سنوية لأفضل مؤسسة تطبق مبدأ تكافؤ الفرص وتدعم تقلد المرأة لمناصب قيادية. أتمنى ان تبادر دولة الامارات العربية المتحدة ممثلة باحدى حكوماتها المحلية أو احدى مؤسساتها لتبني هذا المشروع الحيوي وأن يحل علينا يوم المرأة العربية في العام المقبل ان شاء الله وهذه المؤسسة قيد الوجود وتقدم خدماتها التطويرية للمرأة الاماراتية. إن تحقيق هذا الهدف السامي في النهوض بالمرأة يحتاج الى تضافر كل الجهود، رجالاً ونساء، كما يحتاج الى اقصى دعم مادي ومعنوي ليكون بمثابة انطلاقة جديدة وفعالة للتعامل مع واحدة من أهم قضايانا التنموية الشائكة. الهوامش: ـ ـ حديث قرينة صاحب السمو رئيس الدولة ـ سمو الشيخة فاطمة لمجلة «المرأة اليوم» المنشور في صحيفة أخبار العرب، 12 مايو 2001، ص 7. ـ د. موضي عبدالعزيز الحمود «المرأة وسوق العمل: واقع ومشكلات»، ورقة نقاشية قدمت الى ندوة مشكلات المرأة العاملة في دولة الامارات العربية المتحدة، أبوظبي 23 ـ 24 مايو 2000م. ـ د. ميثاء الشامسي «مشكلات المرأة العاملة في دولة الامارات من واقع الدراسات والبحوث، ورقة قدمت الى ندوة مشكلات المرأة العاملة في دولة الامارات العربية المتحدة، أبوظبي 23 ـ 24مايو 2000 . ـ د. نادية بوهناد «المرأة والادارة والسقف الزجاجي» صحيفة «الخليج» 17 مايو ـ 2000 ص 15. ـ «صحيفة «الخليج» العدد 8289، 28 يناير 2002 م ص 6. ـ د. فاطمة الصايغ «الدور الاقتصادي والحضاري للمرأة في الامارات» ورقة علمية قدمت إلى مؤتمر المرأة والتنمية في الوطن العربي/ جامعة زايد 9 ـ 10 مايو 2001م. ـ صحيفة «البيان» العدد 7842، 7 ديسمبر 2001 ص 14. ـ تخصص ادارة وعلوم سلوكية ـ جامعة الشارقة