السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 من لا يعرف التاريخ سوف يصدق اي شيء حتى كلام الرئيس الاميركي جورج بوش الذي اطلق العام الماضي مصطلح «محور الشر» على كل من العراق وايران وكوريا الشمالية ضمن الحرب التي اعلنها على ما يسميه الارهاب. تلك المقولة التي يتفاخر احد موظفي ادارته المستقيلين انه اوحى بها الى رئيسه الذي صدقها فأطلقها مهددا ومرعدا ومتوعدا لانه يجهل التاريخ والحاضر مثل موظفه. ويوما بعد يوم يتأكد للعالم شرقه وغربه ان هناك محور شر وبيت شر واحد بين كل بيوت الدنيا هو بيت الشر «الابيض» الذي ليس له من صفاء اللون الابيض ونقاوته سوى الاسم فقط اما داخله الحقيقي حيث ترسم خطط الشر والعدوان، فتعكس لونه الاسود تصريحات ساكنه بوش الذي يتقن كلام رعاة البقر المليء بالعجرفة والجنوح الى الشر. مجلة «التايم» الاميركية ما زالت تستطلع آراء قرائها في العالم عبر موقعها على الانترنت حول الدولة الاكثر تهديدا للاستقرار العالمي من بين ثلاثة دول هي: الولايات المتحدة الاميركية وكوريا الشمالية والعراق. واوضح الاستطلاع الذي شارك فيه حتى الان نحو 150 الف شخص من مختلف دول العالم ان الولايات المتحدة هي الاكثر تهديدا للسلام العالمي بنسبة 7,82 بالمائة فيما تساوى العراق وكوريا الشمالية بنفس النسبة تقريبا 7,8 و6,8 بالمائة لكل منهما على التوالي. وقد يكون من الطريف لو اضافت المجلة جزر الكناري الى قائمة الدول التي تهدد الاستقرار العالمي لنرى ان نسبة الولايات المتحدة بقيت كما هي في حين تقاسمت كل من العراق وكوريا الشمالية وجزر الكناري بقية النسبة. وتصح هذه القاعدة كلما زاد عدد الدول في قائمة الاستطلاع. بالتأكيد هذه النتائج لا تقنع بوش أو أحدا في ادارته بل هي مجال سخريتهم، لكن الذي تحسب حسابه هو المعارضة المعلنة من جانب قوى كبرى لخيار الحرب مثل فرنسا وروسيا والصين الاعضاء الدائمين في مجلس الامن والمانيا العضو غير الدائم وهي دول ذات علاقات تقليدية وراسخة مع العراق. لكن التخوف من ان تتفسخ مواقف هذه الدول وتنهي الانقسام الحاصل في مجلس الامن اذا تأكد لها ان واشنطن ماضية الى الحرب بقرار يجيز الحرب على العراق او دون قرار كما اعلنت مرارا. مستخدمة ادوات الترغيب والترهيب والابتزاز السياسي في انتزاع موافقات المترددين والمعارضين من اعضاء مجلس الامن الدولي بتأييد النهج الحربي لحل الازمة العراقية. وحتى اجتماع مجلس الامن خلال الايام المقبلة بناء على الدعوة التي وجهها بوش تعيد الدول الاعضاء صياغة مواقفها بانتظار تقديم ما قال عنه بوش انه ادلة على امتلاك العراق اسلحة تحظرها عليه قرارات مجلس الامن. وتذهب بعض التقديرات الى ان الادلة التي تعهد بوش بتقديمها لمجلس الامن لن تكون اكثر اقناعا من التقرير الذي اعلنه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وسخر منه القاصي والداني لضعف بياناته او اعتماده على معلومات قديمة. وردد تقرير اعلامي روسي خلال الايام الماضية ان واشنطن متأكدة تماما من امتلاك العراق اسلحة كيماوية محظورة، لكنها «اميركية» وليست «عراقية» وانها لا تستطيع ان تعلن ذلك. ويقول التقرير الذي نشر في صحيفة مسائية تم سحبها فورا من الاسواق ان الولايات المتحدة الاميركية قامت بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية العام 1988 بتخزين 500 صاروخ مجهزة برؤوس كيماوية في الكويت مداها 150كم مع عشر منصات اطلاق، واختفت خلال الاحتلال العراقي للكويت ما يعني انها وقعت في ايدي القوات العراقية التي كان لديها الفترة الكافية لنقلها الى الاراضي العراقية قبل اندلاع حرب العام1991، وتتميز عند الاستخدام بظهور آثارها فورا وتقتل خلال خمس ثوان واذا تم التحصين ضدها فتظهر آثارها بعد خمسة عشر يوما من استنشاقها، وقد ظهرت هذه الآثار على الجنود الأميركيين والبريطانيين بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، وهو ما عرف لاحقا ب «اعراض حرب الخليج، حيث كان الجنود محصنين مما يشير الى ان العراقيين استخدموا جزءا منها عند دخول القوات الاميركية الى جنوب العراق، حيث تضرر منها الاف الجنود الاميركيين والبريطانيين وخرجوا من الخدمة العسكرية وتم اغلاق ملف مرضهم والتكتم على اسبابه بعد صخب اعلامي، وحسب التقرير لم يستطع مفتشو الاسلحة الدوليون منذ بدء مهمتهم في العراق العام 1991 العثور على هذه الصواريخ. ويقول التقرير انه جرت في العام 1994 مفاوضات مع العراقيين لتسليمها مقابل تخفيف الحصار الذي تفرضه الامم المتحدة على العراق منذ العام 1990 وما زال ساريا الا ان العراقيين اصروا على رفعه نهائيا. والورطة الاميركية كما يبدو انها لا تستطيع ان تعلن عنها فليس هناك من سيصدقها، في نفس الوقت فهي تخشى ان يستخدمها العراقيون اثناء الحرب المتوقعة وينكرون استخدامها، لأنها صواريخ اميركية لا توجد الا ضمن تسليح القوات الأميركية فقط وسيتهم باستخدامها الجيش الاميركي وليس العراقي. وهذا ربما يفسر التهديدات المتتالية من جانب بوش للضباط العراقيين بعدم اطاعة الاوامر باستخدام اسلحة كيماوية والا ستتم محاكمتهم كمجرمي حرب. ومع استحالة اثبات وجود تلك الصواريخ لدى العراق وضعف الحجج الاميركية بامتلاكه اسلحة اخرى مما تسميه واشنطن اسلحة دمار شامل، ركز الخطاب السياسي الاميركي بعد تقرير المفتشين الى مجلس الامن الاسبوع الماضي والذي خلا ايضا من اي دليل على امتلاك العراق اسلحة تحظرها عليه قرارات مجلس الامن، على اعادة اتهام العراق باقامة علاقات مع تنظيم القاعدة بزعامة اسامة بن لادن. فخلال 24 ساعة وجه بوش هذا الاتهام مرتين، الاولى اثناء خطاب حالة الاتحاد الثلاثاء الماضي وبعد ساعات وجه نفس الاتهام ثانية خلال تصريحات للصحفيين، وتبعه وزير خارجيته كولن باول مكررا الاتهام نفسه. وفي اليوم التالي اطلق رئيس الوزراء البريطاني توني بلير نفس الاتهام. واستخدم بوش في اتهاماته نفس التعابير التي يصف بها اسامة بن لادن في وصف الرئيس العراقي صدام حسين بقوله انه «شرير». والواضح ان هذا الاتهام هو اسهل وسيلة لحشد الرأي العام الاميركي والغربي لخيار الحرب مع تصاعد الاحتجاجات المعارضة لها. كما ان اثبات وجود علاقة بين العراق وتنظيم القاعدة يمكن الحصول عليه وتلفيقه من خلال فبركة ادلة وانتزاع اعترافات بالقوة من معتقلي تنظيم القاعدة في غوانتانامو. وفي هذه الحالة فان صعوبة اثبات امتلاك العراق اسلحة محظورة وبالتالي ضعف فرص صدور قرار من مجلس الامن يجيز الحرب بتأييد دولي، يقابله مسار آخر بقرارات جاهزة من مجلس الامن تبيح لاميركا ضرب اي كان في حربها على ما تسميه «الارهاب» عبر الترويج لعلاقة العراق بتنظيم القاعدة. مفهموم طبعا ان الهدف الامركي لحربها المتوقعة على العراق هو النفط واكمال السيطرة على المنطقة وحماية اسرائيل بضرب العراق وحصار سوريا وضرب الحركات الاسلامية ورسم خرائط جديدة بالمنطقة، وليس كما تدعي بالتخلص من صدام ونزع الاسلحة التي يحظرها مجلس الامن او استعادة الصواريخ التي تحدثت عنها الصحفية الروسية. ولنا ان نتخيل لو كان العراق دولة تنتج السردين بدل النفط، هل كان بوش حشد كل تلك الاساطيل؟! لكن الشجرة المثمرة هي التي يهاجمها الاشرار.