السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 في أدبيات الرسائل الهندية القديمة وصف رائع للمصادر التي تتولد عنها العلاقات الانسانية والتي تختلف في ماهيتها تبعاً لاختلاف المصدر الذي تشكلت من خلاله. وبحسب تلك الرسائل فإن المصادر التي تشكل العواطف الانسانية هي ثلاثة مصادر (العقل والنفس والجسم)، فالعاطفة التي مصدرها العقل تولد الاحترام، والعاطفة التي مصدرها النفس تولد الصداقة، والعاطفة التي مصدرها الجسم تولد الرغبة، لينتج عن مجمل العواطف الانسانية الثلاث شبكة المشاعر الخاصة بكل واحد من الناس. ان من أبرز الخطوط العامة التي يمكن قراءتها من مثل هذا التقسيم الدقيق ان العلاقة التي مصدرها العقل هي من أرقى أنواع العلاقات الانسانية، وأثمنها، ووجودها في حياة الفرد يمنحه مزيداً من الاحترام لنفسه، ويرفع من قيمة تلك العلاقة ليجعلها شيئا لا يقدر بثمن ولا يوازى بمال، ولذلك يحرص من اختارها على نموها واستمرارها ويرى فيها من الاشعاع والقدرة على التأثير الايجابي الشيء الكثير، مما يرفع من مستوى احترامه لنفسه كلما اقترب من الاشخاص الذين اختارهم عقله ليكونوا في زمرة الحلفاء والشركاء المساندين له في رحلته بالحياة من خلال تأثيرهم على أفكاره وقراراته واختياراته التي تأتي صحيحة وهادفة. لكن السؤال الجدير بالنظر: لماذا يرفض البعض اعطاء العقل حريته في تحديد نوعية الاشخاص الذين يرى من المناسب تكوين علاقة خاصة بهم؟ لماذا يحجر على العقل، ويمنع من ممارسة دوره الطبيعي في تحديد مواصفات الشخصية التي تستحق ان تمنح العاطفة وتبذل لها المشاعر؟ وبالمقابل: لماذا جاد البعض بعواطفهم على من يرفضهم العقل، ويراهم ليسوا أهلا لأن ينالوا شيئا من التفكير والاهتمام؟ وحتى متى يظل أسخياء العواطف، الكرماء بلا حدود في منح عاطفتهم إلى كل من هبَّ ودب، وإلى كل من لوح بيديه يطلب القرب والود، فإذا بهم يتهافتون عليه كما يتهافت الفراش على النار دون أن يتبينوا ان ذلك البريق هو الجحيم بعينه!! وان الاضاءة الشديدة التي يرونها من بعيد نوراً يضيء الدرب ليست الا صورة لنيران محرقة، هي المادة التي صنعت تلك الصورة، وان الاقتراب منها يعني التهور والطيش!! وما من شك ان اطلاق العنان للعواطف دون ان تلجم بلجام العقل هو دليل افلاس في التصور، وهو اعلان صريح بأن عقول أمثال هؤلاء الناس في اجازة مفتوحة عن ممارسة أي دور رقابي في حماية اصحابها من اختراق منطقة الامان، والوقوع في الرمال المتحركة حيث لا شيء ثابت، او مستقر يمكن اعتباره طوق نجاة من الانزلاق نحو نهاية سوداء!! وسواء اعترف الآباء والامهات ام انكروا ان لهم يداً عليا في ظاهرة الانفلات العاطفي غير المأمون الذي يعاني منه جيل اليوم فإن المؤشرات والوقائع تؤكد ان هؤلاء الشباب ليسوا الا انعكاساً لنوعية التربية التي مروا بها في الصغر. وان الخبرات السلبية الناتجة عن اخطاء منهجية وسلوكية صدرت من الوالدين في الماضي هي التي افقدتهم الرؤية الصحيحة للأشياء من حولهم، وحرمتهم من غطاء فكري يمنحهم فرصة الاختيار السليم للأشخاص الذين يعجبون بهم. فقدوا المعرفة الصحيحة، ووقفوا على تربة معلوماتية هشة، ومجتزأة من سياقها الصحيح!! وقذف بهم في الحياة، ولا زاد لهم يكفيهم إلى السير حتى نهاية الطريق. ان فاقد الشيء لا يعطيه!! ومن كانت بيئته الاسرية فقيرة وشحيحة فإن التخبط والفوضى في المشاعر والأفكار والسلوك هو الشيء الذي يتناسب مع المعطيات الضعيفة التي قدمتها أسر لم تجتهد في تحسين سلوكها التربوي، ولم تعتن بالتعرف على أفضل الممارسات الأبوية تجاه الابناء. ان فشل الأبناء دليل فشل الآباء، لكن محاسبة الكبار غير واردة، لذلك فإن المحكمة مشرعة أبوابها لمحاسبة الصغار وحدهم!! فهل بهذا التراخي والتغافل عن علاج جذور المشاكل يكون التمهيد لممارسات مستقبلية مسئولة من قبل الجميع؟! اترك الاجابة لكم لتتصوروا حجم الأخطاء المنهجية في التصدي لمشاكلنا وأزماتنا الراهنة.