السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 أبدى أحد القدماء العرب استغرابه الشديد من كلام احد المجانين فقال لأبيه: يا أبت مثل هذا الكلام الجيد الصحيح يتكلم به مجنون؟ فأجابه: «يابني هؤلاء قوم كان لهم فضل ودين ومعرفة، فزالت عقولهم وبقي ذلك الفضل، فلم يختلط فيما اختلط». ومن هنا نجد ان التراث العربي والاسلامي أفرد حيزا واسعا لاخبار المجانين ونوادرهم ومواقفهم ازاء العديد من المشكلات التي انتجتها افرازات المجتمع العربي وتناقضاته التاريخية. ومن الملاحظ ان مصادر التراث العربي والاسلامي قد ادخلت صوت الجنون التاريخ، واعطته اهتماما لا يقل عن بقية الشخصيات والاحداث التاريخية المهمة لانها ادركت ان الاهتمام بهم يعكس وضعية اجتماعية تاريخية لهذا الصوت وجدت على ارض الواقع، واتاحت له موقعا فاعلا ينتسب الى الطرافة والفضل ولا يختلط بالوجه المظلم للجنون. يقول محمد حيان السمان في كتابه «خطاب الجنون في الثقافة العربية» ان صوت الجنون كان يرتفع حرا واضحا امام الملأ في الاسواق والمساجد وفي الحمامات العامة، وفي الطواف بموسم الحج، وحتى في حلقات القاصين والوعاظ، ولكن هذا الصوت كان يرتفع بكلام جيد صحيح ومفيد يجهر بالمهموس ويبوح بالسري في لحظات الضيق والقلق والخوف التي يمر بها الجسد الاجتماعي العام، وكانت هناك انجازات ثقافية عديدة تنسب الى هؤلاء المجانين وترتبط بمنطوقهم فتخرج المحصلة كلاماً مأثوراً وموعظة حسنة وحقيقة مرة مصاغة في سياق لغوي جمالي راق!! لقد اصطلح على تسمية المجانين او «البهاليل» في عدد من المصادر بـ «عقلاء المجانين» بعد ان ادرك المجتمع في تلك الفترة مكانتهم الثقافية، فلقد كان العامة يلقون السمع الى اقوالهم العجيبة ويتدبرون بلاغاتهم التي كانت تكشف فساد التاريخ!! «عقلاء المجانين» في التاريخ العربي وحتى العالمي اندثروا اليوم وحل محلهم فجأة مجانين العقلاء، ليثبتوا دون شك اختفاء كل شيء جميل في هذا الزمن الصعب حتى الجنون الذي تجرد ليصبح جنونا صرفا لا حكمة فيه ولا قول مأثور، مع ملاحظة انه اصبح صفة للعقلاء وليس المجانين!! ان المتتبع لاحداث العالم يلاحظ بصورة جلية كيف اصبح خطاب الجنون هو المسيطر والمتحكم على معظم مجريات الامور.. احداث وخطب وتصريحات يصنفها العقل البشري بتلقائية ودون تفكير ضمن خطاب الجنون لكنها للأسف واقع مرير محسوب على العقلاء واصحاب العقول النيرة المتعلمة المثقفة!! لقد كان «البهاليل» هم صوت المجتمع في لحظات الضيق والخوف اما اليوم فلا احد يجرؤ على التعبير عن هذه اللحظات مهما كانت درجة الوعي التي يحملها.. .. انه بالفعل عصر الجنون بكل ما تعنيه الكلمة من معنى سلبي وبعيد عن كل ما كانت تعنيه في جانبها الايجابي. لقد اصبح مجانين العقلاء في العالم يسيطرون على واقع مجنون اصلا بكل تفاصيله وسماته في زمن مجنون لا يستطيع التحرر ابدا من هذا الجنون!! «مجانين العقلاء» شخصيات عالمية منتشرة في مختلف انحاء العالم قد يكونون على قمة الهرم السياسي لدولة ما، وقد يكونون اناساً مرموقين في مجتمع اخر وقد يكونون افراداً في هيئات مختلفة ولكن جميعهم يجمعهم هذا المصطلح الجديد.. اما الجنون على المستوى المحلي فقد اختفى كظاهرة كانت منتشرة قبل حوالي عقدين من الزمن حيث كانت محصورة على شكل شخصيات تجوب انحاء المناطق و«الفرجان» بلباسها الرث وكلامها الغريب، ليتحول الجنون اليوم الى ممارسات وصفات شخصية في عدد كبير من افراد المجتمع كان لافرازات الحضارة والتطور دور في تنميتها، صحيح هي اقرب للامراض النفسية لكنها تبقى نوعا من الجنون المستتر. على صعيد العمل هناك العديد من التصرفات لا يمكن ان نطلق عليها سوى انها نوع من الجنون، وعلى مستوى الجيرة والحياة الاجتماعية هناك اشخاص لا يمكن وصفهم سوى بالمجانين، وعلى مستوى المشاكل والجرائم الغريبة هناك اشخاص اقل ما يوصفون به انهم مجانين!! وهكذا تدور الايام ويتغير مفهوم وصوت الجنون ليبقى المجانين كما هم سواء كانوا داخل اسوار مستشفى ام خارج الاسوار..