السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 يمضي الناس نصف أعمارهم في تحقيق أمانيهم، لكن النصف الأول يمضونه حالمين، لذلك ترى كثيراً من الأعمار تذهب هباء وتبقى النوايا الطيبة. والأحلام خبز يومي للناس، فمن خلالها يمكنهم ان يصبحوا أثرياء وأصحاء ووسيمين ولديهم متسع من الوقت والعمر لشراء جزيرة في الكاريبي ليشيدوا فيها قصراً وزورقاً راسياً على شاطيء ناعم، والأحلام أيضاً تقود أصحابها إلى عالم سعيد كل شيء فيه متاح وكل شيء فيه ممكن. إلا ان الأحلام غدارة رغم عذوبتها وتطعن في الظهر لمن يستسلمون إليها كثيراً، فتراهم وقد احدودبت ظهورهم وترهّلت مشدوداتهم، وأصبحوا يائسين قانطين حالهم حال من يقف على رأسه الطير. وعندما تكون الأحلام قسوة وألماً يصح معها أن نذكر هذه القصة التي كتبها انطون تشيخوف أواخر القرن التاسع عشر، فقد كان هناك رجل يسير في الشارع ناظراً إلى الدرب متفحصاً موقع قدميه محاذراً البرك التي خلّفتها الأمطار، فلمح قطعة نقدية من فئة الخمسين روبلاً فالتقطها سعيداً بهذا الكنز الكبير «آنذاك» وراح يشتري بعضاً مما يرغب فيه، لكن سرعان ما ذابت تلك الروبلات وصُرفت بسرعة كبيرة، فلم يجد الرجل مفراً من العودة إلى الطرقات وذرعها جيئة وذهاباً علّه يجد كنزاً آخر شبيهاً بكنزه الأول. وتمر الأوقات والرجل الحالم بلقياه لا يوفر طاقة في النظر إلى الأرض علّها تجود عليه بشيء من النقود وهو يمضي الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات ضارباً رأسه في الأرض، آملاً بتحقيق الحلم، لكن مرور السنوات أيقظه ذات يوم ليجرد ما وجده خلالها، حيث يذكُر انه وجد عدداً كبيراً من الأزرار المتنوعة، وعدداً أقل من الأقلام والمناديل، ومثلها من المشابك النحاسية أو المطلية بماء الذهب أو الفضة ولم يخل الأمر من بعض الكوبيكات، وهي وحدة نقدية روسية صغيرة جداً، وقد أورثه حلم الطريق ذاك ظهراً محنياً ونظراً شحيحاً.. وعمراً ذهب هباءً. قصة تشيخوف تلك تلخص إلى حد بعيد ما يفعله الحلم بالانسان الذي يأنس إلى العيش في الوهم وإلى استبدال الواقع بالآمال ومقايضة الحقائق بالأساطير. لو قيض للمرء تحقيق أحلامه بسهولة لما وجدنا حولنا تلك الكوارث التي عطلت الانسنة وخرّبت دورة الطبيعة وأخلّت بموازينها الدقيقة، فكم هو عدد الذين يولدون وفي أفواههم ملاعق الذهب؟ وكم هو عدد هؤلاء الذين يحصلون على جزرهم العذراء في الكاريبي؟ وبصريح العبارة الشعبية كم عدد الذين يمتلكون أموالاً لا تأكلها النيران؟.. انهم عدد لا يذكر في المليارات الستة التي تدب على ظهر الأرض بحثاً عن حياة كريمة لا يقاربها ظلم ولا ينغّصها مرض، ولا يعذِّبها حرمان، وهذا لا يعني ان الحياة هي الماء والطعام والهواء فقط، بل يعني الحياة بكل مفرداتها وأساسياتها الأولية وفي مقدمتها المعرفة لأنها تحمي الانسان من السقوط في أوهام الحلم أو الأمل البعيد، ولكي تستمر المعرفة كان لابد للحلم أن يتوقف.. ولو قليلاً. ما يدفع للحديث عن الأحلام هو ذلك التآلب الذي نجده لدى الأجيال الصاعدة لامتلاك سيارة فارهة ومنزل كبير ورصيد مصرفي ضخم ووظيفة آمرة ناهية، قبل الدخول إلى معترك العمل جدياً والصعود والتميز بعقلانية، وقبل التوغل في المعرفة التي تحمي وتضمن السلامة والأمان. Email: h-s-d@maktoob.com