الجمعة 28 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 31 يناير 2003 كانت المسألة من قبيل الممازحة ثم تحولت الى جد، هكذا كانت حالة الحوار التي جرفتني أنا وصديق حميم الى حد الزعل و«التبويز»، فالبداية لم تكن سوى مجرد قراءة في الحال العربي «المايل» ومراهقات سياسية بسيطة، ففي النهاية، الامر لا يعتمد الا على قراءة عناوين الصحف والتقاط الاخبار المصورة من الفضائيات، والتفكر في حال العراق، وحال الاهل في فلسطين، وفوز شارون وتمكنه بعد كل جرائمه من ان يكون زعيما للعصابة.. في البداية قال الصديق الحميم: مشكلتكم ككتاب مقالات لا تقفون على اسرار الازمات العربية بصدق وبمكاشفة كبيرة، وما تكتبونه من جمل وعبارات هي ذاتها التي نسمعها في التحليل العربي للأحوال والاحداث، وهو في النهاية تحليل رسمي ملتزم بحدود واطارات معينة مفروضة المقاس والحجم والثقل ايضا.. انتم تقولون ان هناك ازمة في العراق، ونحن كقراء نعلم انها ازمة، وتقولون ان السياسة العربية تقزمت في هذه المرحلة التاريخية من عمرها وتشهد الذل والهوان والتركيع، ونحن كقراء نعلم ذلك، وتصرخون وتبكون على الاهل في فلسطين ونحن نصرخ ونبكي اكثر منكم.. قلت: ومن قال لك اننا لا نقول ولا نكشف ولا نسب ولا نلعن الحال المايل، ثم من قال لك اننا لا نفصل ولا نفند العلل، اننا نفعل، ومن قال لك اننا لا نجتر الا الكلام المعروف، اننا ايضا نقول غير المعروف وغير المعلوم، لكن المشكلة انه اصلا لم يعد هناك غير معروف وغير معلوم، وان ازمة العرب ليست في ان نخبهم السياسية غير قادرة على الفعل في هذا الزمن الرديء ومرحلة المهانة التاريخية، بل العلة الكبرى ان النخب السياسية العربية تعرف وتعلم اوجاعها، وتلم بما فيه صلاحنا وفلاحنا، وهي اخبر منا في هذا بحكم انها اكثر قربا من الاسرار ومن حقائق الدهاليز، وهي الاكثر اعترافا منا بحالة العجز العربي.. فماذا تريدنا ان نقول في قوم يعترفون بتمزقهم، وبتناحرهم، وبغلبة جهلائهم على عقلائهم؟ وماذا تريد من قوم يقولون لك بالحرف الواحد اننا فوضنا امرنا للاخر لانه الاقدر منا على تسيير شئوننا!! صرخ الصاحب الحميم: هذا كفر بكل تاريخ هذه الامة وانجازاتها وحضارتها وكرامتها وعزتها، اننا نغرق في الحضيض، وهذا الحضيض مرّ وقاس، انظر ما نفعل ببعضنا البعض كعرب اليوم؟ انظر كيف وصلت بنا هذه الحالة القاتلة، هناك ما يجب ان يقال وبصراحة وبعلانية، وهناك اعترافات اكبر مما يعترف بها سياسيونا..لكنكم لا تريدون ان يصل الصوت الى مداه الحقيقي.. انتم ابواق بارادتكم.. وهذا كل ما في الامر.. بلغ السيل الزبا.. وتحول الحديث الى مواقف شخصية، انت كذا.. وانت كذا.. كاذب، منافق، زنديق، مشترى، مباع. (......) كلمات بذيئة... فقدت صديقي الحميم وفقدني.. لماذا كل هذا؟ لعنة الله على السياسة من اولها الى آخرها.. ولا زعلك يا اخي.. يحدث مثل هذا ايضا في امكنة كثيرة وفي لقاءات حميمة بين الاخوة والاصدقاء العرب!!