الجمعة 28 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 31 يناير 2003 كتب جعفر عباس الكاتب السوداني الساخر مرة مقالاً عنوانه «سيرتي الذاتية الخليجية» يتحدث فيه بأسلوب ساخر عن حياته التي قضى منها ربع قرن في المنطقة والنتيجة انه مفلس ومديون للبنوك وشركات الهاتف والكهرباء وحتى البقال والجزار، يكتب هذه السيرة ويقارنها بخبر عن شخص بريطاني اتهم بقضية قتل ودخل السجن وقضى فيه 25 سنة وخرج ليطعن بعد هذا العمر في الاجراءات ويحكم له بتعويض يعادل 28 مليون درهم أو ريال. المهم في المقالة الساخرة ان الزميل جعفر يتحدث عن عمله «الخفافيشي» ـ نسبة الى السر والظلام ـ طوال مسيرته، فعندما كان في السعودية كان يعمل في شركة، ومن وراء ظهرها يتعاون مع مؤسسة إعلامية، وعندما جاء الى الامارات عمل في «الاتحاد» و«امارات نيوز» ومن الباطن عمل مترجما بمؤسسة «اتصالات»، وهكذا حاله في قطر، فبينما كان يعمل في مجلة «الدوحة» فانه تعاون سرا مع جريدة «الراية» وعندما تحول للعمل في اتصالات قطر، كان متعاونا دون علمهم رقيبا في التلفزيون وكاتبا في جريدة «الشرق» ـ اي في ثلاثة اماكن ـ وفي الصحافة كان يكتب باسم مستعار لكي لا ينكشف أمره. هذا طبعا اعتراف ساخر ومتأخر لأنه لو كان في هذه المؤسسات وانكشف امره لذاق منها الويل وخراب البيت من الطرفين طبعاً. تبين المقالة الساخرة حال الاعلامي والصحافي العربي تحديداً، كيف تضطره وسائل الاعلام العربية في بلده أو البلد المهاجر له، ان يعمل نهاراً وليلاً وفي أكثر من مكان، أن «يسرق» من نفسه ومن أسرته وقت الراحة لكي يبحث عن الاستقرار. فقط الاستقرار وليس «تسمين» رصيده في البنك، لأن أغلب زملاء المهنة ان لم يكن جميعهم لا يملكون رصيداً غير الراتب الذي لا يغطي نهاية الشهر. وغير أن هذا اللهاث الذي كتب عنه جعفر عباس في البحث عن عمل اضافي يأتي على حساب راحته ويومه وأسرته وصحته هو، فانه يغامر ويعيش حالة خوف وترقب، فماذا لو انكشف أمره ووشي به أحدهم الى الجهة التي يعمل بها، بالتأكيد ان المؤسسة الصحافية التي يعمل بها ستحاسبه وقد تطرده، فأين يذهب وهذا حاله؟! وأكثر من هذا ان الخوف الذي يسكنه على فعلته المجبر عليها، قد يسري كذلك على قلمه وضميره المهني، ماذا لو صادف أن كلفته الجريدة التي ينتمي لها ان يتناول المؤسسة التي يعمل فيها «بالدس»، وطلبت منه تحقيقاً ساخناً عن قضية مثارة حولها، لحظتها ماذا سيكتب وماذا سيقول؟ و«سيرة جعفر الخليجية» تنطبق على عدد من الزملاء في المنطقة وفي الوطن العربي بأكمله، فالعديد منهم يرتبط في الباطن بمؤسسات اخرى بديلة يقضون فيها وبالسر بقية يومهم او يعطونها في حالات الكثير من الجهد وقد يخلصون لها أكثر من المؤسسة الام التي ينتمون لها. الاشكالية ان هؤلاء الزملاء قد يتواجدون في مؤسسات متشابهة أو منافسة، ويمارسون دون قصد أو معه دور المخبر ولا نقول الجاسوس، طبعاً لمصلحة البديل الثاني، فالأول الأساسي لا يعلم ان موظفه يتواجد اخر الليل أو أوله عند ضرّته أو عدوه. والصعوبة الأكبر ان هذا الزميل بحثا عن الاستقرار قد تضطره الحاجة وتزل رجله ويزل معها كل شيء، فتتلقفه مؤسسات أو شركات مشبوهة. والاشد من ذلك أن دولا أو جهات خارجية قد تجره وتستخدمه في البلد الذي يتواجد به، ومعلوم أن الصحافي أكثر الناس حركة واطلاعا على صغائر الأمور وعظائمها في المكان الذي يعمل به. قد يتحمل الزميل الذي زلت حواسه اذا انخرط في عمل مشبوه دون أن يدري وانتبه متأخراً، قد يتحمل اللوم والتأنيب من ضميره اذا صحي. لكن المؤسسات الاعلامية تتحمل الذنب والوزر الأكبر فهي التي تدفع ابناؤها الى الحاجة ومزيد منها، والى حالات الخوف، وتغييب العقل والضمير معا. ماذا لو عملت كما هو الاعلام المتقدم والمتطور في كل العالم ومنه وسائل اعلام عربية مهاجرة مشهود لها بالنجاح والتفوق، وضمنت الاستقرار والراحة للاعلامي المنتمي لها، اعطته المزايا التي تناسب مجهوداته وخبراته، وركزت على النوعية والكفاءات، واشعرت الزميل العامل فيها انه جزء منها ومن نجاحاتها وانها تفخر به، وغرست فيه بذرة الولاء والحب لها وحدها. في حالة مثل هذه، سيكون العمل عنده اكبر من مجرد وظيفة، ولن يعطيها جزءاً محدوداً من يومه وفكره، سيعطيها كل جهده ومعه الود والوفاء لها. لن يبحث عن بدائل، ولن يذهب خائفا في دروب مظلمة، لن يحتاج ان يبيع وقت اسرته وراحته وما يزيد لديه من عطاء ومجهودات، سيكون قويا صريحا واثقا مخلصا لأنه ينتمي الى مؤسسة اعلامية ناجحة.