الجمعة 28 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 31 يناير 2003 اكتساح اليمين المتطرف للانتخابات العامة في اسرائيل لا يمثل الخطر الاشد على المقاومة الفلسطينية. فمجموعة اوسلو الملتفة حول السلطة الفلسطينية في الداخل التي تبشر بالخذلان والتخذيل باسم «الاعتدال» هي الادهى والامر. ومن المفارقات المؤلمة انه بينما تتبنى مجموعة اوسلو الفلسطينية منهج التفاوض السلمي كأسلوب اوحد للتعامل مع الاحتلال الاسرائيلي فإن الحكومة الاسرائيلية الجديدة ليست لها بحكم هويتها السياسية اي اجندة تفاوضية او اي خطة للسلام. فهي تتبنى برنامجا من بند واحد: ترحيل الشعب الفلسطيني عن ارضه او ابادته. ولان اغلبية المقاعد البرلمانية التي احرزها حزب شارون لا تتيح له الانفراد بالتشكيل الوزاري فإنه بات من المؤكد ان برنامج «حكومة الوحدة الوطنية» الجديدة سوف يكون محوره اجندة اقصى اليمين بشقيه العلماني والديني، وبناء على هذه الحقيقة فإن الشعب الفلسطيني لن يكون موعودا للمرحلة المقبلة الا بأحلك ظرف في تاريخ قضيته الطويل. لذا من المؤسف حقا ان يتزامن حلول هذا الظرف مع ارتفاع صوت مجموعة اوسلو التي لاتتبنى سوى اجندة استسلامية باسم التفاوض السلمي. لقد كان المحور الرئيسي الذي دارت حوله رحى المعركة الانتخابية الاسرائيلية مسألة «الترانسفير» ـ وهي كلمة انجليزية مهذبة ترجمتها «نقل» او «ترحيل» لكن مغزاها الحقيقي فعلا هو «الطرد» او «الاقصاء» او «الابعاد» ـ والمقصود بذلك هو الشعب الفلسطيني المقيم على ارضه الخاضعة للاحتلال لمدى 36 سنة حتى الآن. ومع اجماع الاحزاب اليمينية بشقيها العلماني والديني على مشروع «الترانسفير» الا ان هناك تفاوتا من حيث اساليب عرض الفكرة ومداها. فهناك من يرون ان التهجير الجماعي للفلسطينيين ينبغي الا يكون قسريا، ولكن ليس معنى ذلك ان يكون تطوعيا بالمعنى الحقيقي. فبناء على هذه الرؤية ينبغي ممارسة اساليب تضييق العيش على الفلسطينيين حتى يقرروا من تلقاء انفسهم الهجرة الى خارج الارض المحتلة. وهناك بالطبع من يرون الاسراع بفرض التهجير قسرا وبصورة مباشرة، لكن في كلتا الحالتين فإن هناك قناعة بين هذه الاحزاب والمنظمات بأن من بين الشروط اللازمة لحمل الاسر الفلسطينية على المغادرة التوسع في انشاءات البناء الاستيطاني مما يتطلب بالتالي استقدام آلاف تلو آلاف من اليهود من مختلف بقاع العالم، خاصة بلدان اميركا اللاتينية. ونذكر ان ارييل شارون صدع بمشروع في هذا الصدد يقضي باستقدام مليون يهودي. ولاغراض الترانسفير هناك اجماع بين قادة اليمين الاسرائيلي بمختلف رؤاهم المتطرفة على ضم اراضي الضفة الغربية او معظمها الى اسرائيل رغم ان هناك خلافا حول ضم او عدم ضم قطاع غزة. ولكن الترانسفير الى أين؟ هنا ايضا توجد خلافات ما بين من يرون «التنازل» الاسرائيلي عن قطاع غزة ليكون وطن الفلسطينيين بعد ترحيل اهل الضفة الى القطاع وبين من يقترحون ابعاد كل الفلسطينيين الى شبه جزيرة سيناء ومن يرون ابعادهم الى الاردن.. بل وهناك من يرون ان يتجه الترانسفير الى الاراضي العراقية بعد وقوع العراق تحت الاحتلال الاميركي اذا شنت الحرب التي تخطط لها ادارة بوش. ونتساءل: هل مشروع الترانسفير ممكن وعملي؟ سواء كان عمليا ام غير عملي فإنه سوف يبقى الخيار الاوحد المستقبلي امام قادة التطرف الاسرائيلي بين ثلاثة خيارات لا رابع لهما. اما الخياران الاخران فهما كما يلي: اما ان يقبل الاسرائيليون بفكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة على الاراضي المحتلة. وهذا مرفوض ويظل مرفوضا لاجل غير مسمى.. وإما ان تضم الضفة وغزة الى كيان الدولة الاسرائيلية وفي هذه الحالة فإن المواطنين العرب (باضافة عرب 48) سوف يشكلون الاغلبية السكانية وبالتالي سوف تنتفي عن اسرائيل صفة الدولة اليهودية. هذه هي خيارات الاسرائيليين.. اما خيارات الفلسطينيين في الارض المحتلة فإنها تنحصر في خيار اوحد: المقاومة المسلحة.. هذا الخيار الذي تسعى مجموعة اوسلو الى الغائه انطلاقا من اجندة مشبوهة.