الجمعة 28 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 31 يناير 2003 كانت نقطة التحول الرئيسية في السياسة الاميركية التي جسدها مبدأ نيكسون في نجاح الثورة الايرانية واختلال التوازن الاستراتيجي في المنطقة الذي كان يرتكز على التفوق العسكري الايراني. وبسقوط شاه ايران سقط عملياً مبدأ نيكسون الداعي الى الاعتماد على الحلفاء المحليين، وراح القائمون على السياسة الاميركية يرون في القوة العسكرية السبيل الافضل لحماية المصالح الاميركية. وبدأت تتبلور سياسة اميركية جديدة تجاه منطقة الخليج العربي ترتكز على تعزيز التواجد العسكري في هذه المنطقة، وايجاد قوة تدخل سريع يضمن استمرار تدفق النفط الذي يشبه الدم الذي يضخ في عروق الغرب الصناعي وخاصة الولايات المتحدة، كما ان التدخل العسكري السوفييتي في افغانستان عزز المخاوف الاميركية من ان يكون هذا التدخل بداية لاندفاع السوفييت نحو منطقة الخليج، ولذلك رأت واشنطن في هذا التدخل الذريعة المناسبة لزيادة تواجدها العسكري في المنطقة، خاصة وان سقوط شاه ايران ادى الى زعزعة ثقة بعض حلفاء الولايات المتحدة بها وكذلك زيادة الخوف الاميركي من تكرار التجربة الايرانية. وهكذا نلاحظ ان عوامل اقليمية كثيرة ساعدت على تنامي قوة التيار المتطرف في الولايات المتحدة الذي يدعو الى استعمال القوة العسكرية الاميركية لحماية المصالح الغربية عامة والاميركية خاصة. أطر جديدة وفي فبراير عام 1979 قدم بريجنسكي مستشار الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر مذكرة تتضمن اطر عمل جديدة في الخليج العربي للتأكيد على قوة وتأثير الولايات المتحدة في تلك المنطقة. وتضمنت خطة بريجنسكي هذه التي يمكن اعتبارها المصدر الاساسي لمبدأ كارتر الاسس التالية:1 ـ وضع سياسة اميركية جديدة في المنطقة تشبه مبدأ ترومان الذي رسم الخط الذي يجب ألا يتجاوزه الاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية. 2 ـ اعلان السياسة الاميركية الجديدة على العالم وعلى الشعب الاميركي لدراسة ردات الفعل عليها، قبل اتخاذ اجراءات عملية لحماية امن الشرق الاوسط ومنطقة الخليج. 3 ـ نتيجة لتفوق الاتحاد السوفييتي من ناحية القوى الاقليمية في الشرق الاوسط والخليج، فإن على الولايات المتحدة ان تبني قواتها المسلحة من جديد وان تكون مستعدة للرد فوراً على أية تهديدات سوفييتية في الخليج بصورة خاصة. 4 ـ العمل على تشجيع تحالفات او ترتيبات امنية بين الدول المعتدلة بما فيها مصر والسعودية والاردن واسرائيل. 5 ـ ضرورة التعاون القريب مع المملكة العربية السعودية باعتبارها ركيزة للنظام الامني الاقليمي. والحقيقة التي لابد من التذكير بها هنا هي ان مبدأ كارتر لم يشكل في الواقع طفرة جديدة في السياسة الاميركية، اذ ان الخلفية التاريخية لمثل هذا الاتجاه تعود عملياً الى أوائل الستينيات مع وصول الرئيس الاميركي الراحل جون كيندي الى السلطة، حيث اجرت المؤسسة العسكرية الاميركية آنذاك مراجعة شاملة للنظريات الاستراتيجية التي ارتكزت عليها سياسة واشنطن الدفاعية ثم بعدها تبني نظريتين جديدتين هما: نظرية الحربين ونصف، ونظرية الرد المرن. فقد وجد قادة المؤسسة العسكرية في ذلك الوقت ان نظرية الرد الشامل النووي التي تبناها كل من ايزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس فقدت مصداقيتها، اذ انها ورغم منعها قيام حرب عالمية ثالثة إلا انها بقيت عاجزة عن منع قيام حروب وثورات اقليمية هددت في بعض الاحيان المصالح الاميركية في اكثر من منطقة في العالم. اما نظرية الرد المرن فهي برأي المؤيدين لها اكثر مصداقية لانها تمكن الولايات المتحدة من تبني الرد المناسب على الحركات الثورية والازمات الاقليمية، دون ان تكون ملزمة باللجوء الى الردع النووي. ولذلك فإنها تشكل الاساس لاستراتيجية الحربين ونصف الحرب التي تعني استعداد الولايات المتحدة للحرب في جبهتين في آن واحد، بالاضافة الى حرب محدودة او نصف حرب في اي مكان آخر. إلا ان هذه النظرية لاقت معارضة من قبل الكونغرس الاميركي لاسيما بعد التورط الاميركي في فيتنام، وهو ما افسح الطريق الى ظهور مبدأ نيكسون الذي اسقط عملياً بظهور مبدأ كارتر الذي اتبع سياسة متشددة بلغت ذروتها، عندما اصدر هذا الاخير في الخامس عشر من اغسطس 1977 امراً رئاسياً دعا فيه الى تحضير قوة ضاربة مؤلفة من عدة فرق وقادرة على التدخل السريع في الشرق الاوسط وخاصة في المناطق المنتجة للنفط في الخليج العربي. اعداد الفرصة وبعد ثلاث سنوات فقط اعلنت الولايات المتحدة في مارس عام 1980 عن تشكيل القيادة المشتركة لقوات الانتشار السريع. ومع انه من حيث المبدأ لا يقتصر عمل قوات الانتشار السريع على المنطقة العربية، إلا انها من الناحية العملية تعتبر المسرح الاول والاهم لعمل هذه القوات، نظراً لاهمية المصالح الاميركية فيها وخطورة الوضع المتفجر الناجم عن انتصار الثورة الايرانية واستمرار الحرب فيما بعد بين ايران والعراق. وبالرغم من تأكيد المسئولين الاميركيين في ذلك الوقت ان الغاية من تطوير قوات الانتشار السريع هي مواجهة التهديدات السوفييتية آنذاك، إلا ان بعض مؤيدي قوة الانتشار السريع اعترفوا امام اللجان المختصة في الكونغرس الاميركي بأن التهديد المباشر لاستقرار منطقة الخليج لا يأتي من احتمال هجوم سوفييتي مباشر على آبار النفط، بل من عدم الاستقرار الداخلي والانقلابات وما اسموها بالنشاطات الهدامة، وذلك في اشارة على ما يبدو الى الذين يعارضون التواجد الاميركي والغربي بشكل عام في منطقة الخليج العربي. ويرى الخبراء الاميركيون ان قرار استخدام قوات الانتشار السريع يجب ان يرتكز على اسس ثابتة، منها: أولاً: ان القوة العسكرية لا يمكنها ان تحل مشاكل العالم وحدها، بمعنى ان قرار استخدام القوة يجب ان يكون الحل الاخير بين عدة خيارات. ثانيا: ان استخدام القوة عند الضرورة عنصر اساسي بالنسبة للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة الحيوية في العالم، مع ضرورة تحديد هذه المصالح بشكل دقيق. ونظراً لاعتبار ان الخليج العربي بشكل من وجهة النظر الاميركية احدى مناطق المصالح الحيوية الاميركية والغربية بشكل عام، فقد وضعت الادارات الاميركية المتعاقبة هذه المنطقة في رأس اولوياتها. وحاولت الولايات المتحدة في اطار سعيها لايجاد ترتيبات امنية تضمن مصالحها في الخليج انشاء حلف دفاع اقليمي يضم الدول الخليجية، لكنها فشلت بسبب تخوف الدول الخليجية من النتائج السياسية المحلية والعربية ومعارضة شعوب المنطقة لسياسة الاحلاف. وفي اواسط عام 1978 واصلت الولايات المتحدة جهودها لاقامة حلف عسكري في منطقة الخليج، كذلك اثيرت فكرة انشاء حلف الميتو اي منظمة معاهدة الشرق الاوسط الذي اقترح ان تنضم اليه «اسرائيل» ومصر والسعودية وعمان والصومال وبعض الدول الاخرى، إلا ان هذه المقترحات الاميركية لاقت معارضة شديدة من قبل الدول الخليجية، كما رفضت معظم الدول الخليجية ايضا في ذلك الوقت تقديم التسهيلات العسكرية الضرورية لعمل قوات الانتشار السريع، ولم تستطع واشنطن الحصول على تسهيلات عسكرية سوى في مصر وعمان وكينيا والصومال. وازاء هذا الواقع وفي سبيل البحث عن مبررات للتواجد العسكري الاميركي في الخليج العربي ودفع الدول الخليجية الى قبول او طلب الحماية الاميركية، راحت واشنطن تعمل على زيادة حدة التوتر الذي كان قائماً في ذلك الحين بين العراق وايران، لتشكل الحرب العراقية الايرانية فرصة الولايات المتحدة الذهبية للتدخل العلني في الخليج العربي، ولاسيما بعد انتهاء هذه الحرب وتحويل العراق لجيشه باتجاه الكويت وغزوه لها في عام 1990 وهذا الغزو الذي جاء بموافقة ضمنية اميركية لم تعد خافية على أحد، والذي قدم لواشنطن الفرصة التي انتظرتها طويلاً. ـ كاتب فلسطيني