الجمعة 28 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 31 يناير 2003 في ظل الظروف الدولية التي تتميز من جهة بتفرد الولايات المتحدة في دورها العالمي كما تتميز بردة فعل دولية تجاه هذا التفرد، وفي ظل سقوط حالة الثقة بالولايات المتحدة وتردي الثقة في كبرى الشركات والمؤسسات الاميركية بعد سقوط انرون، وفي ظل أزمة ثقة في الاقتصاد العالمي، جاء انعقاد مؤتمر دافوس في سويسرا ليشير الى أزمة الثقة التي تتمركز في العالم اليوم. فهي ازمة ثقة بين العالم الاسلامي والعالم الاميركي، واخرى بين اوروبا وبين الولايات المتحدة، وثالثة بين الكثير من الدول ومواطنيها. وقد جمع كعادته مؤتمر دافوس عدداً كبيراً من المشاركين تجاوز الألفين من ممثلي المهن الحرة ورجال الاعمال والمفكرين والشخصيات السياسية، من بيل غيتس الى ملك الاردن ومن كولن باول الاميركي الى مهاتير في ماليزيا، جاء هذا الحشد ليعبر عن رغبة جامحة في استمرار السعي نحو العولمة ونحو فتح الحدود بين الدول وزيادة التبادل. ولكن هذا الحشد اراد ان يناقش فوق كل شيء أزمة الثقة في الادارة العالمية وأزمة الثقة بين العوالم المختلفة، خاصة ونحن نقترب من قرار أميركي بحرب تغيير النظام العراقي. وقد طغى الشرق الأوسط والكثير من شئونه على نقاشات المؤتمر. ان جلسات المؤتمر عكست القلق العالمي، كما عكست القلق الاوروبي من الحرب في العراق، كما انها عكست القلق ذاته من استمرار العنف في فلسطين في ظل غياب تعاط جاد مع القضية الفلسطينية. لقد حظي الشرق الاوسط بنصيب كبير من جلسات المؤتمر وذلك لما للشرق الاوسط من أولوية في صياغة المرحلة العالمية الجديدة. ولقد سيطرت على جلسات اللقاء: قضايا الحداثة والاسلام، الديمقراطية والاسلام، التغير والعالم العربي، القيادة ومستقبلها في الدول العربية، التسامح في العالم العربي والاسلامي، التطرف، العنف، الحرب على العراق، ما بعد العراق. بل يمكن القول ان الشرق الاوسط كان حاضراً في نقاش: فمن الشرق جاء الخاطفون الذين افتتحوا مرحلة جديدة من خلال هجومهم على مبنى التجارة العالمية والبنتاغون، وفي الشرق العراق الذي شن اكثر من حرب وسيكون بعد اسابيع مادة حرب جديدة، وفي الشرق الاوسط الطاقة التي تحتوي على 60% من احياء العالم، وفيه ايضاً دول قلما مارست الديمقراطية او المشاركة، وفي الشرق فوق كل شيء القضية الفلسطينية التي تؤثر على العالم وتؤثر على استقرار الشرق الاوسط، ومن الشرق جاء تقرير التنمية البشرية الذي يعكس فشل الكثير من الدول في ممارسة دور مسئول في مؤشرات التنمية تجاه مواطنيها. ولكن الأهم: ان الشرق الذي يواجه كل هذه التحديات هو ذاته الذي يحظى باهتمام دولي كبير، فهو معقل العالم الاسلامي، وهو معقل الطاقة العالمية، وهو معقل شعوب يؤدي عزلها وتراجعها الى مزيد من العنف. الشرق اذن منطقة تعاني ضغوطاً كبيرة وهي منطقة ازمات وانفجارات، ومن الصعب على العولمة ان تستمر بلا شرق مستقر وبلا شرق منفتح فيه مساحة للحرية والعدالة وفيه مساحة للأمل بالمستقبل. وبينما ألقى كولن باول وزير الخارجية الاميركي كلمة على قدر كبير من الوضوح امام المؤتمر، وقد حدد في كلمته ملامح السياسة الاميركية وحاول استمالة الرأي الاوروبي لصالح السياسة الاميركية، الا ان اجواء المؤتمر ظلت متشائمة من نتائج الحرب على العراق. ففي استقصاء للرأي قال اكثر من 80% من المشاركين في المؤتمر بأن الحرب ستقع لا محالة بين العراق والولايات المتحدة وحلفائها. ولكن الاغلبية تشككت في ان تؤدي الحرب الى نتائج ايجابية في العراق ورأت وفق ذات الاستطلاع انها لن تنتهي بسرعة وستؤدي الى خلخلة استقرار الشرق الاوسط. لقد اصبحت منطقتنا تحت المجهر، ومن الصعب ان تنجح الدول العربية في تسويق المنطق التقليدي في الدفاع عن سياسات الدول العربية وذلك لانه اصبح ضعيفاً ومكشوفاً، فقلة من العرب مسئولين ومثقفين يتصدون لتوضيح الاجواء العربية في المحافل الدولية، فأغلبية العرب يتفادون الاسئلة المحرجة والقضايا الحساسة التي تلاحق كل عربي في هذه المرحلة. ومن الصعب ان نتجنب قضية الديمقراطية بحجة التنمية (التي لم نقم بها)، ومن الصعب ان نتجنب قضية الحريات بحجة الخصوصية الاسلامية وذلك لان الاسلام لا يتناقض والحريات والديمقراطية. ان العالم الاوسع ينتظر من العالم العربي ان يخرج هو الآخر بحلوله الخاصة وبرؤيته للمستقبل وبتصوراته لدوره. فهناك أزمة ثقة كبيرة في مقدرة العالم العربي على اللحاق بالمستقبل وانصاف شعوبه ومجتمعاته، وعلى العالم العربي ان يثبت ذلك اولاً لشعوبه ثم ثانياً للعالم الاوسع وذلك لكي ينجح في انقاذ اقليمه من التدخلات الدولية ومن العواصف التي تقتلع أمنه وتدمر استقراره. ـ استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت