الجمعة 28 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 31 يناير 2003 في ظل مناخ الحرب المدمرة الذي تصر الولايات المتحدة والإعلام الغربي، وللأسف الإعلام العربي أيضا يشارك في إشاعة هذا المناخ، على نشره على رؤوس الأشهاد ليل نهار حتى أصبحنا نتحدث عن حرب لا راد لها لأن السيد ساكن البيت الأبيض يريدها، بدأت تظهر في الأفق بوادر مقاومة لم يحسب جورج بوش الابن حسابها، بدأت هذه المقاومة تسري في أركان عديدة من العالم، وتبشر بوجود معارضة حقيقية لكل السياسات الأحادية الرؤية، أو الشمولية التي تريد واشنطن وتابعوها تطبيقها على الجميع باسم الديمقراطية تارة، وباسم العولمة تارة أخرى. وتؤكد تلك المعارضة أنها تمثل الديمقراطية التعددية الحقيقية في مواجهة الأزمة التي قرر الرئيس بوش الابن أن يضع فيها النظام الغربي برمته، حتى أصيب النظام الديمقراطي الغربي كله في مقتل، وأصبح يتعرض من الداخل لانتقادات حادة تكشف إلى أي مدى أصبح تطبيقه منفصلا عن تنظيره، إلى درجة أصبحت معها الحكومات الغربية وأحزابها مشكوكاً في شرعيتها، ولا تمثل الشريحة الحقيقية العريضة في تلك المجتمعات. بل وصلت الانتقادات إلى قلب النظام «العولمي» الذي ابتدعته الولايات المتحدة لفرض الرأسمالية المتوحشة على الجميع فيما أسمته بمنتدى «دافوس» السنوي، الذي تحاول من خلاله وعبر الضغوط الإعلامية والسياسية أن تجر البلاد الفقيرة إلى قبول قواعد تجارية جديدة لن تكون لها سوى نتيجة واحدة: المزيد من الفقر والتخلف الصناعي للفقراء، والمزيد من الثراء لمن يملكون المال والتكنولوجيا. إلا أن لقاء هذا العام مختلف عن الأعوام السابقة، لأن المنتدى المقابل في «بورتو أليغري» استطاع وللأول مرة أن يغزو دافوس في عقر داره، ويعرض أفكاره رغم محاولات التعتيم الإعلامي التي حاولتها ولا تزال تحاولها الولايات المتحدة، فقد انتقلت أفكار المنتدى الاجتماعي على لسان الرئيس البرازيلي اليساري المنتخب حديثا إلى المنتدى الاقتصادي في دافوس الذي وصل وفي حقيبته مجموعة من الأفكار التي تمثل انعكاسا للخبرة التي تطرح فكرة أن «العالم العادل ممكن»، وأن تطبيق هذه الفكرة في عالم السياسة لأول مرة ممكن، بل وقابلة للتعايش مثلها مثل أي فكر آخر قائم، بل ويمكن لفكر المنتدى الاجتماعي أن يكون جزءا من العالم الرأسمالي، لأن هدفه هو عالم أكثر عدالة في توزيع دخل الكرة الأرضية. رسالتان مختلفتان ملتقى دافوس وجد نفسه فجأة أمام الرئيس البرازيلي «لولا دا سيلفا» الذي وصل إلى الرئاسة في بلاده وبأعلى نسبة تصويت، ليس في تاريخ البرازيل فقط بل في العالم كله، لذلك كان شيئا مسليا أن تعكس وسائل الإعلام في دافوس معركة غير مباشرة بين الرئيس البرازيلي اليساري الذي يمثل شعب بلاده تمثيلا واسعا في مواجهة وزير الخارجية الأميركي الذي يمثل رئيسا مشكوكا في وصوله إلى كرسي الحكم بشكل ديمقراطي، فالصوت الوحيد الذي مثل الفارق بين جورج بوش الابن وبين منافسه ليس المشكلة، ولكن المشكلة أن التصويت على انتخابه تم في أدنى معدلات التصويت في الولايات المتحدة، مما يجعل شرعيته الشعبية مشكوكاً فيها برغم الشرعية الدستورية التي يتشدق بحصوله عليها، فهو لا يمثل سوى جزء ضئيل من الناخبين، فحسب كل التحليلات أن من امتنعوا عن المشاركة في التصويت تعتبر أصواتهم في النهاية تعبيرا عن الرفض لما هو قائم، والرئيس الأميركي المنتخب وحزبه يعتبران جزءا مما هو قائم. فيما كان ممثل الرئيس الأميركي يكرر اسطوانته المشروخة عن حتمية ضرب العراق، ويحاول أن يستخدم منتدى دافوس لحشد مزيد من الدعاية والدعم لحرب لا يرى جدواها أحد، ولا حتى من يدعون إليها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الحملة «الدولية» ضد ما يسمونه «الإرهاب» دون تقديم تعريف واضح له، ذهب الرئيس البرازيلي إلى دافوس وفي حقيبته حلول حقيقية وممكنة تستطيع أن تنهي الكثير من المواجهات وفي مقدمتها «الإرهاب»، بمعناه الواضح المحدد الذي يستثني «الكفاح الوطني المسلح» ضد الاستعمار ويخرجه من التعريف الأميركي للإرهاب. إذا كان المراقبون يرون أن واشنطن لا ترى سوى ما يمثله مستشارو الرئيس بوش الابن القادمون من شركات النفط والطاقة وممثلي شركات إنتاج وبيع الأسلحة، إلى درجة أنهم يتعاملون مع القتل وسفك الدماء على أنها عملية «تجارية» بحتة، ولا فارق فيها بين توقيع قرار حرب يذهب ضحيتها مئات الألوف وبين توقيع شيك لأحد البنوك ما دامت الحرب تحقق لهم مصالح شخصية، فان الرئيس البرازيلي يعرف أنه يمثل الفقراء ولذلك جاء إلى دافوس بحثا عن حلول تمكن العالم من القضاء على الفقر والجهل والتخلف التي تعتبر جذور الإرهاب نفسه، هذا إذا كانت هناك نية صادقة في أن يسود العالم الهدوء والسلام، وليكشف للعالم أجمع أن كلفة الحرب تفوق تكاليف السلام، وبقليل من الثمن الذي تدفعه أميركا لممارسة القتل يمكن أن يصنع العالم حياة أفضل لسكانه. فيما حمل وزير الخارجية الأميركي رسائل تهديد ووعيد إلى كل من يشكك في أهداف حملة بلاده ضد العراق، وعيد لم يسلم منه حتى الشركاء الأوروبيين الذين يملكون بعض الحياء من شعوبهم، ويحاولون التملص من حرب لا تخدم سوى مصالح حفنة من سكان البيت الأبيض، فان الرئيس البرازيلي حمل معه الأمل في عالم أفضل، ومن هنا كان حنق سادة واشنطن على تلك الزيارة غير المتوقعة التي يبدو أنها لم تكن محسوبة جيدا من جانبهم، لأن رسالة بورتو أليغري التي يحملها الرئيس البرازيلي ذكرت منتدى دافوس بوعود قطعتها أوروبا والولايات المتحدة على نفسها خلال ملتقى العام الماضي في نيويورك، بالبحث عن «أسباب الصراعات الدامية في العالم ومن بينها الإرهاب»، ومحاولة التوصل إلى حلول لها، وإذا بنا نجد من وعد بالتعاون في التخفيف عن معاناة المظلومين يمارس الظلم ويزيد من معاناة المظلومين بتأييده الظالمين وإغماض عينيه عن الممارسات التي تدفع الآخرين إلى العنف عندما يفقدون الأمل في الحصول على حقوقهم. لقاء كانكون المناخ الإعلامي المعتم الذي يخيم على دافوس ويحاول التعتيم على رسالة الأمل لمنتدى بورتو أليغري يواجه الكثير من العقبات في عمله برغم كل ما وفرته له جماعات الضغط ذات المصلحة في دافوس، ومن بينها ضغوط الولايات المتحدة القوة الأعظم في العالم، خاصة عندما تم الإعلان عن عقد المنتدى الاجتماعي في العام المقبل في الهند بدلا من بورتو أليغري، وفسر المراقبون هذا الانتقال المتعمد بأنه يهدف إلى الاقتراب من آسيا التي يتوقع المراقبون أن يكون عملاق العالم القادم منها. وهي إشارة وصلت جيدا بمعناها إلى واشنطن، التي لا تزال تتحسس موطئ أقدامها قبل التورط في حرب قريبة من الحدود الصينية، فان كانت قد نجحت في أن تفرض على الصين قبول قواعد أميركية في أراض قريبة منها خلال استعدادتها للحرب الأفغانية تحت دعوى الرد على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر، فإن المراقبين يرون أنه من الصعب على واشنطن أن تجد مبررات لانتزاع موافقة الصين على مزيد من الوجود الأميركي في آسيا، خاصة في مناطق تعتبر حيوية كمصدر طاقة وسوق أصبحت مفتوحة أمام المنتجات الصينية التي بدأت تغزو منطقة الشرق الأوسط بشكل مكثف. ويعتقد المراقبون في دافوس أيضا، أن الولايات المتحدة مستاءة من حضور الرئيس البرازيلي ممثلا عن المنتدى الاجتماعي في بورتو أليغري، ويتوقعون أن تتخذ إجراءات معينة للتخفيف من تأثير هذا الحضور، خاصة أن هذا الحضور سينتقل قريبا جدا إلى قرب الحدود الأميركية نفسها، عندما ينعقد مؤتمر المنظمة العالمية للتجارة في مدينة كانكون بالمكسيك في سبتمبر المقبل، لأن واشنطن ستجد أمامها ولأول مرة في البرازيل معارضا للكثير من قواعد السوق المفتوحة أمام منتجات العالم الأول فيما تواجه صادرات العالم الفقير المسمى بالثالث العقبات عند دخولها إلى أسواق الدول الصناعية المتقدمة. في لقاء كانكون ستكون البرازيل الممثل للدول المستاءة من إجراءات الحماية الأميركية والأوروبية لمنتجاتها الزراعية لإبعاد المنتجات المماثلة المقبلة من الدول الفقيرة عن المنافسة، لأن الدول المغلوبة على أمرها وجدت فيما تمثله البرازيل من ثقل اقتصادي لا يمكن تجاهله درعا للتمترس من خلفه ومطالبة الدول المتقدمة بمقابل لفتح حدودها أمام التجارة الحرة. رؤية جديدة تصريحات الرئيس البرازيلي في دافوس وقبل انتقاله إليها في بورتو أليغري، وأيضا الرؤية الجديدة التي بدأت تتحول إلى نظريات بديلة عن نظريات العولمة الحالية تحمل بذور معركة لم تكن حتى أشهر قليلة في حسبان الكثيرين من المدافعين عن نظريات السوق المتوحشة، إلى درجة أن العديد من المراقبين يرون أن جيلا جديدا من الشباب بدأ يتشكل في بورتو أليغري، تماما كما حدث في جيل الهيبي خلال حرب فيتنام أو جيل ربيع 68 في باريس. ربما ما يثير رعب دعاة العولمة في شكلها المتوحش أن جيل بوروتو أليغري بدأ يستخدم أدوات العولمة نفسها في التأثير عليها وتصحيح مسارها، خاصة ما يسمى العمل من خلال «الشبكة»، والمقصود هنا شبكة المعلوماتية أو الإنترنت، فقد تم في لقاء بوروتو أليغري الأخير الإعلان عن تجمعات للعمل من خلال شبكة الإنترنت لنشر المعلومات والحقائق التي تكشف زيف الداعين للحروب واستغلال الشعوب، ويمكن من خلال التواصل عبر شبكة الإنترنت أيضا إقامة تجمعات تتظاهر ضد أي ممارسات مرفوضة. لكن هناك محاذير انتبه إليها من شاركوا في المنتدى الاجتماعي الأخير في بورتو أليغري قبل أن ينقل الرئيس البرازيلي رسالتهم إلى دافوس، وناقشوا سبل مواجهتها حتى لا تحاول استغلالها القوى المعادية لأفكارهم، وبشكل خاص الولايات المتحدة، التي لا يشك أحد في أنها تعمل جاهدة من اجل شق هذا الملتقى وتحويله إلى ساحة للصراع السياسي بين الاتجاهات المتعددة التي تشارك فيه، فقد تنبه المنتدى الاجتماعي إلى خطورة الصراع الأيديولوجي بين الجماعات المختلفة التي ترعى نشاطاته، وتم الاتفاق على إرساء قواعد ومبادئ لا يختلف عليها أحد، وترك أي صراع سياسي خارج المنتدى توفيرا للقوى وقطع الطريق على أي محاولات للتأثير على المنتدى أو تفجيره من الداخل. ـ كاتب مصري