الجمعة 28 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 31 يناير 2003 بمنطق العبارة الشهيرة: «قل لي بماذا تفكر، أقل لك من تكون»، وبمنطق الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596-1650) في الحكم على التجارب العلمية والانسانية وفق قاعدة: «انا افكر اذن انا موجود» اواصل اليوم السياحة في فكر عمرو خالد من خلال مناقشة عبارة وردت على لسانه اثناء حواره مع مضيفه زاهي وهبي ورددها بحماس شديد مرات متتالية، ويمكن من خلالها الوقوف على احد الملامح الرئيسية التي تميز فكر الرجل، وتؤثر على شخصيته وسلوكه حيث قال: «انا لا ألتفت للنقد غير الموضوعي الذي يوجه الي، وليس لدي وقت لتتبع ما تتناقله الصحف!! لماذا لا ننبذ الخلافات ونتعاون على البناء ونجتمع على وحدة الهدف بدلاً من تراشق الاتهامات وتبديد الجهد في غير طائل»؟! هذه الدعوة الصريحة لتحمل مسئوليات مرحلة البناء من شأنها ان تفتح الباب امام عشرات من الاسئلة الحائرة حول سبب امتناع البعض عن تشجيع الجهود الايجابية التي تدعو الى الخير وتبشر بامكانية تصحيح المسار والارتقاء بالحال؟! فلماذا لا نتعاون ـ كما يدعو الرجل ويدعو سواه من المخلصين ـ على تقديم صورة حضارية لكيفية ادارة الخلافات، والتعاون مع التباين في الافكار والاتجاهات بحيث نبني مشروعنا الحضاري بكامل جهودنا دون ان تتبعثر وتصبح عديمة الجدوى والأثر؟ لماذا لا نتعاون لنختصر المسافات والحواجز المصطنعة ونذيب قدراً من الاختلاف غير المبرر الذي غذته ـ في لحظة ضعف بشرية ـ الرغبة في الانتصار للنفس على حساب الحقيقة والانصاف؟! لماذا لا نبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع بيننا فنبني عليها بناء يستعصي على الزمن هدمه او اقتلاعه؟ لماذا تعلو لغة الاتهام فوق لغة الحوار والاقناع؟ ولماذا يصبح البحث عن الاخطاء هدفا بحد ذاته يرنو اليه الضعفاء، ويحسبون انهم يحسنون بذلك صنعاً؟ لماذا يهوى البعض الشرب من المياه العكرة، والاغتراف من المياه الآسنة بينما تعاف نفوسهم عن شرب الماء الزلال؟! هل هو الطبع الفاسد، ام هو الضمير الغائب الذي تخلى عن ممارسة وظيفته، وترك الحبل على الغارب للهوى والظنون، فانطلق صاحبه على غير هدى يرمي سهامه في كل واد، فتخيب في كل مرة ولا تصيب ابداً؟ وكلما اعاد المحاولة كان الفشل في انتظاره، والسبب ضعف الرقابة الذاتية، وانتفاء القدرة على الرؤية الصحيحة، والعجز عن اختيار الهدف الصحيح، والضعف في تحديد الوسائل المناسبة لانجاح اهداف هي أوهى في قيمتها من ان يلتفت اليها؟! ولو أعطى أمثال هؤلاء الناس انفسهم فرصة للمراجعة وتقويم افكارهم الضعيفة لعرفوا كما عرف الداعية النشط عمرو خالد انه لا وقت لمزيد من الهدر في مورد هو من أعظم الموارد المضّيعة حيث تسربت السنوات من بين ايدينا ولا يزال الواهمون يمارسون هوايتهم التي استحوذت عليهم في تصيّد اخطاء الناجحين رغم انهم لو انصفوا لعلموا ان كل من نجح انشغل بتجويد عمله، وتحسين ادائه وقبل ذلك اشتغل باصلاح نيته وربطها بالاهداف العليا للأمة والوطن. ورغم ان النوايا محلها القلب الا ان مؤشر صحتها من فسادها يدل عليه العمل. وهوية الفرد الحقيقية يظهرها سلوكه العام، فإذا ما كان السلوك ايجابياً، والعمل منهجياً والمواقف متصالحة مع الفكر المسئول فإن ذلك كله يحتم الارتباط بمثل هذا الفرد وتفعيل وجوده وليس العكس كما يفعل اعداء النجاح مع كل مشروع من مشاريع التنمية المجتمعية الذي ينبع من ضمير الأمة، ويعبر عن آمالها وطموحها. وما من خلاف على ان الضعفاء وحدهم هم من يدعون الى الهدم، وهؤلاء لن يكون مستقبل دعوتهم المهزومة سلفاً الا كمستقبل فريق من العاملين الحمقى الذين حملوا ادوات تتظيف الطريق واثاروا بها الغبار طمعاً في وصول الغبار المثار الى السماء!! لكن السماء ابعد وامنع من ان يمسها الغبار الذي ما ان ارتفع مسافة بسيطة حتى عاد ليسقط على رؤوس اصحابه، ويزيدهم غماً على غمهم، فيكونون وحدهم الخاسرين امام التحديات. يا لها من نهاية مؤلمة يحذرها العقلاء ويتجنبها الأسوياء من الناس!!.