الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 يبدو ان الحديث عن الهزال الثقافي والتخبط الذي يوصم به الخطاب العربي، بات أمراً لا مهرب منه، كلما تطرق أحد الى أي شأن من شئون حياتنا، حتى الاشتباكات العارضة التي تقع بين المثقفين العرب تحولت إلى ساحة لاظهار أردأ ما فيها من مشاحنات ومكايدات شخصية، وتخلو من مقاربة موضوعية، وكأنها تعيد إثبات أن لكل مرحلة معاركها وأبطالها، وإذا ما تسامت الأهداف أخرجت أفضل ما في البشر، وإذا ما تدنّت تدنى معها الجميع. أقول هذا، بمناسبة انشغال الأوساط الثقافية مؤخراً بالنقد الحاد الذي وجهه الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي للساحة المصرية في العقدين الأخيرين وخلوها من انتاج يحرك المياه الراكدة، وتحولها الى كثير من الاحتفاليات التي سرعان ما تتلاشى كفقاعات دون ان تحدث تغييراً أو تثير جدلاً فاعلاً. وعدد حجازي بحديث صريح مثالب الساحة الثقافية التي تعج بانتاج مطابع المؤسسات الحكومية دون ظهور أعمال بقيمة ما قدمه الرواد وجيل الوسط في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وخلاصة ما رصده حجازي ان فترة الخمسينيات والستينيات، وهو نفسه أحد تجلياتها، تعتبر العصر الذهبي للثقافة العربية في مصر، بل مهماز النهوض العربي الحديث بوجه عام. وبعيداً عن مماحكات كثير من النقاد والكتّاب والصحفيين، ودفاع بعضهم عن المؤسسات الحكومية، سواء بحكم التمتع بظلالها الوارفة، أو بسبب ضغينة شخصية أو حزبية مع الحقبة الناصرية. فواقع الحال يضيف الى ما انتهى إليه حجازي الكثير من الأدلة، دون الانتقاص من ظهور جيوب فاعلة داخل المؤسسة الثقافية الرسمية، بفضل القائمين عليها، مثل المجلس الأعلى للثقافة الذي يديره مثقف تنويري هو الدكتور جابر عصفور. ومن الأمور البديهية ان الثقافة لا تزدهر وتنتعش بكثرة ما تخرجه المطابع، أو تعرضه المسارح، بل بقيمة ما تنتجه من أعمال لها قيمة في حقل ابداعها، فالكثرة ليست دائماً دليلاً على الحضور والفاعلية، بل على العكس قد تكون تعبيراً عن خواء وانتحال واعادة انتاج لمخلفات الآخرين، وهذا إن لم تكن أصلاً مثل شجرة «الخروب»: قنطار خشب ودرهم حلاوة! وبدلاً من ان يثير نقد حجازي معركة ثقافية تتسم بالجدية، وتتلاقح فيها الأفكار، وتشرح خلالها أسباب الحالة المأزومة، انشغل كل فريق بالتمترس خلف بوابات المصالح، أو الدفاع عن الذات، وتاهت الفكرة الرئيسية، وتراجع صدى صوت المصارحة إلى تهويمات تبريرية عاجزة. والمستفاد من هذه الواقعة، أن أيامنا أصبحت كحبلى لا تقوى على الاحتفاظ بجنينها، وهي في حالة اجهاض متكرر.. اجهاض لكل محاولة جادة للخروج من نفق الترهل والاجترار، والاستقطاب الحاد ما بين جنوح مجنون إلى الظلامية مقابل جنوح مضاد للمسخ والتماهي مع نتاج مضاد لهويتنا الحضارية، وفي الحالتين تضيع كل محاولات التحديث من داخل بوتقة نسيجنا الحضاري. يضاف إلى ذلك، تراجع الدور الثقافي لوسائل الإعلام، وانشغالها بمعارك مثيرة، تنتهك كل الأعراف، وتفضح حالة البركة الآسنة التي لا تخرج لنا سوى العطب، ويصبح نجومها أولئك مجردين من كل قيمة حقيقية، وإن لمعت أسماؤهم كالذهب المزيف.