الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 لأن اليوم عطلة والرحيل الى جبال المنطقة الشرقية والمرور بقمم مسافي ودبا والفجيرة متعة لا تعادلها متعة في السياحة الداخلية، فكل الذاهبين القادمين من هناك لهم علاقة كبيرة بسوق الجمعة الواقع على طرفي الشارع الاسفلتي الذي يخترق جبال تلك المنطقة. ولسوق الجمعة عند العابرين من هناك طعم خاص، والتوقف عند دكان من دكاكينه الخشبية، او مظلة من مظلاته، او بسطة من بسطاته يعني انك تتبضع من نتاج ارض تلك الجبال، ولا داعي هنا لسرد قائمة ما يباع وما تنتجه المزارع من خير، وما تجود به الطبيعة من عسل النحل بألوانه المختلفة، او ما تعجنه وتدعكه أيادي الامهات هناك.. شيء له طعم عجيب، ورائحته تجرك الى جذورك وجذور المكان. هكذا كانت بضاعة سوق الجمعة، ايام كان سوقنا، وايام كان أهل المنطقة يتفقون لبيع بضائعهم، فهم وحدهم أهل المنطقة، يبيعون ليمونها، وبرتقالها، وحصاد نخيلها، وكل الثمار التي تخرجها الاشجار الجبلية، كان سوق الجمعة له طعم مختلف، ونكهة بضاعته لا تنعش ذاكرة الموروث فيك فقط، بل تشدك الى طين الارض وطين الجبال ومياه مسافي النقية «نقية بلا تعديل واضافات». كان سوق الجمعة كذلك، اما اليوم فهو يتهاوى ويفقد نكهته، ودخله الغش والطمع، ارتفع الكذب فيه كما ارتفعت اسعاره بلا مبرر، فالذين يبيعون هناك، غير الذين كانوا فيه، وبرتقال المزارع وليمونها صار يجلب من اسواق المدن لينخدع فيه المتسوقون.. غشت بضائعه، ودخلت عليه بضائع ليست من ملامحه الاولى..تغير سوق الجمعة وتغيرت مبيعاته.. وما يهدده اليوم هو ان الناس اكتشفت غش الباعة الجدد، وعرفت ان كل بضائعه مستوردة وليس لها علاقة بتلك الجبال، وطينها ومياهها. لن نجيب على سؤال من هم الباعة الجدد، فالاجابة تتكشف عند أول «مطبة» من مطبات طريق السوق، ولن نقول لماذا غش الباعة بضائعهم، ولماذا تغير الطقس المحلي الجميل في سوق له تاريخ طويل، ومنذ ايام القوافل؟ فكل الاجابات الواجب البوح بها واضحة ولا تحتاج للكشف، لكن نأسف ان يتغير طقس سوق تاريخي مثل سوق الجمعة بمسافي كان مخصصاً لأهالي المنطقة ومزارعيها، وصار سوقاً عادياً. هكذا يستمر الفقد.. هكذا تضيع الملامح الكبيرة والبسيطة من وجه هذا الوطن، ونسأل لماذا يحدث هذا باستمرار؟ ولماذا ندعه اصلا يحدث؟ ولماذا نترك اشياءنا الثمينة بأيدي غيرنا؟؟ ضاع سوق الجمعة وهو يتحول اخر التحولات.. لا تبحثوا هناك عن عسل الجبال، ولا خير المزارع..وسيأتي يوم نقول فيه لابنائنا كان هنا سوق لأهل البلد، ثم صار لغيرهم وببضاعة مستوردة!! القضية الكبرى ليست في السوق على قارعة الطريق.. القضية اكبر ومؤلمة، وهمها بثقل جبالك يا مسافي!