الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 الديكتاتورية في العالم العربي ليست عرضاً طارئاً على الاطلاق، انها مرض متأصل ومزمن له أعراضه الكثيرة، ولعل أول أعراضه الكذب، فالديكتاتور يعيش أكبر كذبات التاريخ، انه يكذب على نفسه، وعلى شعبه وعلى العالم، بينما يمارس المحيطون به الدور ذاته عليه وعلى أنفسهم، فهم يحدثونه عن رضا الشعب عليه، وازدهار دولته بسبب حزمه وضبطه وربطه، وهو يكذب على نفسه حينما يصدق ان الطغيان شكل آخر لضبط القطيع على أنغام الطاعة العمياء وصولاً للهاوية!! في العراق محنة وبلاء ومصائب لا يعلم وطأتها إلا العراقيون، بينما الآخرون في العالم العربي يتغنون بلحن التضامن والتعاطف من بعيد دون ان يقتربوا من نيران المحرقة خشية أن يصيبهم لفح اللهيب، وخاصة لهيب الغضب الأميركي! ومع كل المحن المتوالية والتي لا سبب لها سوى الطغيان أولاً والطغيان آخراً، فإن نظام بغداد مازال يكذب على نفسه حينما يصرخ رئيسه بصوت عال وساخر انه لا يخشى المنشورات الأميركية التي تلقى على أنحاء متفرقة من العراق بهدف تأليب العراقيين عليه، فهو كما يقول ضاحكاً مقتنع بأن العراقيين يحرقون المنشورات ولا يقرأونها!! لا يحتاج العراقيون من الأساس لمنشورات تأليب، وان فعلها الأميركيون فليس ذلك من قبيل انقاذهم من صدام حسين، حيث للأميركيين أهداف أخرى، وما المنشورات سوى كلمة حق يراد بها باطل! لكن العراقيين مع ذلك يقرأون المنشورات ويصدقون حيثياتها، ويتمنون حدوث ما تمنيهم به أميركا من حيث الخلاص من النظام الذي يجثم على العراق ويقوده منذ سنوات طويلة نحو البؤس والدمار، ومع ذلك فالعراقيون أذكياء جداً ويعلمون بأن أميركا لا تبكي على حالهم، وادارة بوش لا تسهر الليالي بحثاً عن مخارج وحلول لخلاصهم، وبرغم ذلك فإن الغريق يتعلق بقشة، والأميركيون أكثر من قشة بطبيعة الحال! العجب العجاب.. استمرار النظام في حالة الفصام دون رغبة في الشفاء أو الخلاص، على الرغم من ان الملفات تضيق يوماً بعد يوم، والحديث في طول العالم وعرضه لا يكف عن طرح الحلول لتجنيب العراق والعراقيين ويلات حرب لا تبقي ولا تذر، وليس من بين كل ما يطرح أي دليل على التعاطف مع النظام أو تبني أطروحاته وسياساته، بل ان الحديث بصوت عال عن منفى لصدام صار على لسان الجميع، ووحده صدام يسخر من الجميع وينام ملء جفونه ، فصار كما قال المتنبي: أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم وبينما يغلي العالم، وتغلي الولايات المتحدة، وتتزاحم أفواج المتظاهرين في شوارع الدنيا كلها وأمام سفارات أميركا وبريطانيا، يظهر علينا نجل الرئيس العراقي ليعلن أن الأميركيين مهزومون لا محالة إذا فكروا في غزو العراق، ذلك ان العراق سيجعل 11 سبتمبر مجرد نزهة قياساً بما سوف يواجهونه على أرض العراق، وهو لا يفعل شيئاً سوى النسج على منوال والده الذي يكرر المقولات ذاتها. المؤسف في أخبار الأمس، هو ذلك العنوان الكبير الذي استغلته وكالات الأنباء لتضرب على الوتر الحساس، مستغلة تصريحات طارق عزيز للتلفزيون الكندي والتي ذكر فيها بأن العراق سيكون مضطراً لضرب الكويت إذا ما انطلقت شرارة الحرب الأميركية ضده! وليته قال حتى وان كان من قبيل العنتريات والكذبات المعروفة بأن العراق سيكون مضطراً لضرب (اسرائيل) عند انطلاق الحرب ضده!!