الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 بمجرد أن خرجت من الطائرة، فتحت التليفون الجوال. وما أن فعلت حتى دق.. يا سبحان اللّه، هل كان الطالب منتظراً ثلاث ساعات وأكثر؟.. ألو، وإذا بصديق في أعلى حالات المرح يسألني: هل صحيح انك السبب في نشوب الحرب العراقية ـ الايرانية؟ أردت أن أوقف هذره، فقلت له: إنني الآن خارج البلد، وانه عندما يحدثني فهذا يعني انني أدفع ثمن مكالمة دولية. لكنه قال انه قرأ شيئاً كهذا فأراد ان يستوثق منه. وبدت لي المكالمة حادثاً عبثياً ـ وما أكثرها حولنا الآن ـ فأنا عاجز بطبعي وقدرتي على اثارة حرب في حي «الندى» حيث أسكن، بل وفي بيتنا الصغير جداً، فضلاً عن انني مثل غيري من عامة الناس كنت دائماً من محبي السلام. وإذا كنت أرى احياناً ان الحرب وسيلة لا مناص منها، فذلك في حروب التحرير، وحتى هذه أتمنى ان تنم بالطرق السلمية. ولقد اقتربت من الحرب عدة مرات، فأحسست بهولها. على أي حال كانت مكالمة بلا معنى وانتهت. ولكن لم تمض دقائق حتى جاءتني مكالمة ثانية من صديق آخر: ـ قل لي ما علاقتك بالحرب العراقية ـ الايرانية؟ ثم قال لي انه قرأ شيئاً عن هذا. لم يعد هناك شك في ان شيئاً ما كتبه بعضهم، لكن كيف يحدث هذا؟ هل من أحد يقول ان شخصي المتواضع كان حتى على مقربة من هذه الحرب. واستعرضت الغرائب التي نشرت خطأ عني في حياتي فلم أجد شيئاً قريباً من هذا. وتذكرت قصة أحد الذين كذبوا عليّ في وجودي وأخذ يحكي حكايات قمت بفعلها، والاصدقاء بتآمرهم المرح يستزيدون من الحكايات، وسألته: هل تعرف محفوظ عبدالرحمن؟ فقال: بتأكيد.. طبعاً! وصاحت واحدة: هذا هو من نتكلم عنه! ورفض صاحبنا أن يعترف انني هو. وكان هذا هو الحل فتغيير اسمي وهويتي أسهل بكثير من تغيير الحكايات التي قال انه شاهدها بعينيه أو حدثت معه. رغم ان كل هذه الحكايات كانت أهون بكثير من اثارة حرب. وأصارحك القول يا عزيزي القاريء انني ظللت لا أصدق ما أسمعه معتقداً انها مؤامرة من الاصدقاء، حتى كلمني أحدهم وقال لي انه قرأ في جريدة «القاهرة» كلاماً للناقد السينمائي الكبير مصطفى درويش يقول فيه انني بفيلم «القادسية» كنت سبباً في اثارة الحرب العراقية ـ الايرانية! وأنا أعرف الاستاذ مصطفى درويش منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً ومن المعجبين بثقافته الواسعة ونكاته الظريفة، وها هي نكتة منها ترى انها ظريفة. ومعجب أيضاً بقدرته الفائقة على نقد وتحليل الأفلام الأجنبية. وبالطبع هناك صفات أخرى أنا أقل اعجاباً بها مثل نقده للأفلام العربية الذي يبدو أقل مستوى بكثير من نقده للأفلام الأجنبية، وربما كان هذا لأنه عولمي النزعة، عالمي المستوى. وهناك صفة أخرى كتبت عنها ذات مرة واستعيدها معك، فعندما حصل يوسف شاهين على جائزة مهرجان «كان» كان ذلك حدثاً هائلاً. وأحسست مثل ملايين العرب والمصريين بالفخر والسعادة، وتابعت الخبر وما حوله على الفضائيات العربية والعالمية. وفجأة كتب الاستاذ مصطفى درويش مقالاً بسرعة البرق ينكر ان ما حصل عليه يوسف شاهين هو جائزة، وإذا كانت جائزة فهي بلا قيمة، وإذا كانت الجائزة من مهرجان كان. فالمهرجان سقط ولم تعد له أهمية، وان هذه الاحتفالات انتهت عالمياً وعربياً ومصرياً على لا شيء. فكتبت أقول ان الاستاذ مصطفى درويش من المشغولين بأن ينكدوا علينا. يا رجل نحن سعداء بحصول يوسف شاهين على جائزة عالية. أتركنا شهراً نفرح ثم نكِّد علينا. ولم يكن فيما كتبته أكثر من الاحتجاج على نكد الاستاذ مصطفى درويش، ولم يكن دفاعاً عن يوسف شاهين، فأنا لا أحب له أكثر من فيلمين أو ثلاثة، وليس هجوماً على الاستاذ مصطفى درويش، فليس بيني وبينه حتى الآن سوى تحميله لي مسئولية حرب بكاملها، وهو موضوع ـ في رأيي ـ لا يغضب! وبالطبع لم أنتبه الى ان التناقض بين الاستاذين مصطفى درويش ويوسف شاهين ربما أتى من التشابه الشديد بينهما وليس التشابه في تكرار حرف الشين بين الاسمين، فهذا في رأيي تشابه شكلي رغم ندرة حرف الشين في الاسماء. إنما التشابه ـ فيما أظن ـ في أن الاثنين ينتميان إلى جيل واحد، وانهما غارقان في الثقافة الفرنسية. وكنت أظن ان التشابه يجمع، لكنه يفرق أحياناً كما هو واضح. ويبدو ان الاستاذ مصطفى درويش لم ينس انني اتهمته بأنه «نكدي» وهي صفة لا أظنه بريئاً منها، ولم ينس أيضاً انني وقفت ـ ولو لحظة ـ ضد صنوه في الفرنسية ونقيضه فيما لا أدري، وتخلى عن كل ما يقوله عن الحوار والديمقراطية ليحملني مسئولية الحرب. يا سلام! واستعيد قصتي مع فيلم «القادسية» التي حكيتها مرات في حياة الاستاذ صلاح أبوسيف وبعد وفاته. أتى إليّ الاستاذ صلاح أبوسيف في أوائل عام 1979 وقال انه يود عمل فيلم عن صدر الاسلام. واعتذرت له، لكنه ألحّ الحاحاً شديداً، واقترح بين ما اقترح الفتوح الاسلامية وما فيها من انتصارات، وكنّا نعاني آنئذ منطق ان السلام مع اسرائيل هو الخيار الوحيد بأي شروط. واقترح بين ما اقترح فتح مصر وفتح الشام وفتح العراق. وبعد نقاش طويل معي وبالتأكيد مع غيري، استقر على فتح العراق. وكان لي اقتراح التركيز على معركة «القادسية» الفاصلة. وبعد فيلم «القادسية» شرعنا في فيلم بعنوان «اليرموك». وحتى الانتهاء من كتابة السيناريو لم أكن أعرف الجهة المنتجة. وبعد بدء التصوير ذهبت إلى العراق لأول مرة في حياتي ولم تكن الحرب قد بدأت بعد، وإنما قامت أثناء التصوير. ويبدو ان إيران ـ وهو بلد أحبه واحترم تاريخه ـ أراد اجهاض الفيلم قبل أن يخرج إلى النور، وقام العراق بالحرب. ولعل الأمر يكون أعظم من هذا وأنا لا أدري، ولا مصطفى درويش يدري، وهو ان مشهداً لم يعجب واحداً من الآيات أو ربما جملة. ولا يعرف الاستاذ مصطفى درويش ـ وأنا لم أقرأ بعد ما كتب ـ كم أنا فخور بما قاله. لقد كنت أتساءل دائماً عن جدوى ما أفعل، واعتبر ان ما أكتبه محاولة دؤوبة لتنقية المياه ثم إلقائها في البحر. فلا جدوى مما فعلنا. ولكن ها هو الاستاذ مصطفى درويش يعيد للقلم مكانته، فيجعل للفيلم قوة اثارة حرب. ولقد لمت نفسي لوماً شديداً على انصرافي عن السينما، فلو انني كنت مهتماً بها اهتمامي بالدراما التلفزيونية أو حتى بالمسرح لكنت الآن قد أثرت عشرين أو ثلاثين حرباً، ولكنت قد وضعت نفسي بين القادة الكبار مثل الاسكندر ونابليون بونابرت وهانيبال وخالد بن الوليد. وإذا كانت الأمم عادة تحتاج الى واحد من هؤلاء في كل زمن، فنحن في هذه الشهور نحتاج لهم جميعاً. فالحمد لله والشكر للاستاذ مصطفى درويش.. أنا هنا.. وأنا لهم جميعاً، فلقد كشف لي الاستاذ ان الأمر لا يحتاج إلا إلى كمية من الأوراق والأقلام وركن هاديء يكتب فيه الكاتب، وصف من المخرجين كل واحد فيهم يأخذ السيناريو ويخرجه، وبمجرد كتابته أو تصويره أو عرضه ـ لا أدري ـ تسقط جيوش الأعداء. ولقد بدأت فعلاً في وضع خطتي، فلست أقل ـ بشهادة درويش ـ من القادة الكبار، ووجدتني في حيرة، هل أبدأ بالحرب على اسرائيل وأنقذ فلسطين؟ أم أبدأ بالحرب على أميركا وأنقذ العراق؟ أم أقوم بالحرب على اسرائيل وأميركا معاً؟ ولكن هذا يتطلب فيلمين كبيرين، والأفلام تأخذ وقتاً. وفي هذه الحالة هل تسمح لي الأمة ببعض الوقت وتعاني ما تعاني؟ ولو كان معي رقم تليفون الاستاذ مصطفى درويش لأخذت رأيه. وإن كنت أخشى أن يفضل لي قيادة الحرب في «كوت ديفوار» أو البرازيل. وأياً كان رأيه أقدِّم له الشكر لأنه أولاني كل هذا التقدير ونقلني من صف الكتّاب في زمن ضعفهم إلى قادة في زمن أصبحوا فيه أندر من الكبريت الأحمر!