الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 وفقاً لأحدث القرائن فإن الأسبوع الثاني من مارس ربما يكون الوقت الذي تفتح فيه اميركا النار على العراق ايذانا ببداية الحرب الموعودة. والسؤال هو: ما هي الاعتبارات الخطيرة التي ينبغي على الرئيس بوش ان يتوقف عندها مليا وسلفا قبل ان يتخذ قرارا نهائيا بشن الحرب؟ لكن أولاً.. لماذا الاسبوع الثاني من مارس كموعد مرجح؟ الامر يتعلق بالمدى الزمني المستقبلي لفرق التفتيش الدولي العاملة في العراق. فالآن، بعد التقرير الذي تقدم به إلى مجلس الامن الدولي كل من هانز بليكس رئيس التفتيش ومحمد البرادعي مدير عام وكالة الطاقة الذرية الدولية، اصبح هناك اجماع كامل بين كافة القوى الدولية الكبرى ـ بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها ـ على منح فرق التفتيش مهلة زمنية لاستكمال مهمتهم بصورة نهائية. لكن هناك اختلافات متفاوتة حول مدى هذه المهلة. ـ بليكس والبرادعي يطلبان «بضعة شهور». ـ الولايات المتحدة اقترحت «أسابيع». ـ بريطانيا ـ الحليف الأميركي ـ اقترحت تاريخاً محدداً الرابع عشر من فبراير. وبينما لم تقترح القوى الكبرى الاخرى شيئاً محدداً الا انها تميل فيما يبدو إلى تلبية طلب المفتشين ـ أي «بضعة شهور».. ربما تكون سنة. واذا رجحنا فرضية أسوأ السيناريوهات ـ أي ان ادارة بوش عقدت العزم فعلا على شن الحرب لكنها لم تتوصل بعد إلى تحديد موعد لفتح النار ـ فإن من المستبعد ان يقبل «صقور» الادارة من امثال رامسفيلد وديك تشيني وكوندوليزا رايس بالانتظار لمدى شهور متصلة. ان استعدادهم للانتظار مرتهن فقط إلى المهلة الضرورية من وجهة نظر واشنطن المطلوبة لاستكمال عملية التحشيد والتحضير العسكري الجارية. وبما ان الموعد المقدر لاستكمال تجهيز الآلة الحربية هو الاول من مارس فإن هذا ربما يكون ايضا الموعد الملائم من وجهة النظر الاميركية كحد اقصى للمهلة الزمنية المطلوب منحها للمفتشين الدوليين. اذن ـ وعلى فرضية السيناريو الأسوأ ـ يتقدم بليكس بتقريره النهائي خلال الاسبوع الاول من مارس وبعد ذلك باسبوع تبدأ الحرب. لكن السيناريو الاسوأ ليس بالضرورة السيناريو الواقعي. فقادة الدول عادة يضعون في الحساب اعتبارات مختلفة ومتنوعة عند الوقوف على حافة اتخاذ قرار بشن حرب. والاعتبارات التي يواجهها الرئيس الاميركي وينبغي ان يحسب حسابها في هذه الحالة عديدة ومعقدة وخطيرة وفقاً للقرائن المرئية والمحتملة. فما هي هذه الاعتبارات؟ أولا.. وقبل كل شيء ينبغي للرئيس الاميركي ان يستحضر لنفسه ان قوى دولية كبرى اخرى ـ فرنسا والمانيا وروسيا والصين ـ تعارض الحرب.. وبالتالي فإن عليه ان يقرر ما اذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لشن حرب بقرار احادي في وجه معارضة دولية رسمية لا يقلل من اهميتها الا أحمق. بمجرد ان تنهمر صواريخ كروز على بغداد ايذانا بحرب اميركية تشن بقرار اميركي احادي فإن القوى الدولية الكبرى سوف تدعو إلى جلسة طارئة لمجلس الامن الدولي لفرض ادانة الولايات المتحدة. وحتى لو استخدمت واشنطن حق الفيتو لاحباط قرار الشجب فإن مجرد دعوة القوى الكبرى إلى هذا القرار ستكون كافية لاضفاء شرعية عالمية على غليان شعبي عالمي ضد الحرب سيكون من اوائل ردود الفعل المعادية للولايات المتحدة في عواصم الدنيا. هذا الغليان الشعبي سوف ينتظم الشارع الاميركي من الساحل إلى الساحل لكنه سوف يكون الاقوى والاشد خطرا في بريطانيا.. لان بدايته ستكون في البرلمان وسط صفوف نواب حزب العمال الحاكم نفسه. وهنا قد تتفاعل تداعيات خطيرة على كافة المستويات ربما تنتهي إلى اسقاط حكومة توني بلير لتخلفها حكومة معادية للحرب تأمر بسحب القوات البريطانية من الميدان. واذا حدث هذا فإن صداه سوف يتردد في ارجاء الكونغرس الاميركي حيث بدأت حركة منذ الآن في اوساط النواب واعضاء مجلس الشيوخ من «ديمقراطيين» و«جمهوريين» تطالب بكبح جماح الحرب وتتشكك في ان لدى ادارة بوش ادلة حقيقية على ملكية العراق اسلحة دمار شامل. أما في أوروبا فإن الفوران في الشارع، خاصة في باريس وبرلين، سوف يكون اسطوريا حقا بقيادة وترتيب منظمات مناهضة العولمة وحركات السلام واحزاب «الخضر» التي شرعت بالفعل منذ الآن في ارسال اعداد من المتطوعين إلى العراق كدروع بشرية قد تحسب لاحقا بالآلاف. وغنى عن القول ان المناخ العالمي الساخن الذي سوف يفرزه هذا الغليان الشعبي في الشارع الاوروبي والاميركي على خلفية استمرار القصف الاميركي على الاراضي العراقية سيكون مناخا مثاليا لعناصر تنظيم «القاعدة» لمباشرة عمليات كبرى ضد المصالح الاميركية حول العالم لا يمكن الآن تصور مدى خطورتها. هذا المناخ العالمي الساخن سيكون ايضا مناخا ملائما في ارجاء اوروبا لتفجير مشاعر «معاداة السامية» وما يتبع ذلك عمليا من استهداف المؤسسات اليهودية. فهل يتريث جورج بوش قبل اتخاذ قرار حرب لن يملك السيطرة الكاملة على تداعياتها العملية؟ أحمد عمرابي