الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 تراجعت الولايات المتحدة كثيرا عندما بدأت قبل اسابيع حديثا لم تكن تقربه من قبل مفاده انها تفضل حلما سلميا لأزمتها مع العراق حول تغيير النظام فيه وازالة اسلحة الدمار الشامل التي قد تكون لديه . لكنها خطت خطوة اخرى، بل خطوات عدة، الى الامام عندما قدمت دليلا بعد آخر عن انها تعمل على ازالة كل عقبة تعترض طريق الحرب بينما هي ترفع راية الحل السلمي. في حديث واشنطن الجديد انها لا ترفض ان يعطى الرئيس العراقي صدام حسين، وافراد عائلته والمقربين منه، ملاذا آمنا وحتى حصانة ضد اية محاكمة دولية في المستقبل، الا انها تدخل في جدال عنيف في الوقت ذاته مع تركيا من ناحية ومع حلفائها في اوروبا من ناحية ثانية ومع حلف شمالي الاطلسي من ناحية ثالثة حول اية تحفظات تبديها هذه الاطراف على الخطة الاميركية الموضوعة سلفا لغزو العراق . وعندما تكتسي التحفظات شكلا قانونيا، من نوع انتهاء مهمة التفتيش الدولية وصدور قرار من مجلس الامن بجواز استخدام القوة ضد العراق، تفقد الادارة الاميركية رشدها وتشن حملة على هؤلاء الحلفاء تنذرهم بالويل والثبور وعظائم الامور اذا بقوا على موقفهم .وهي هنا، كما قال مايكل دوبس في «الواشنطن بوست» تريد ان تفهم العالم وحلفاءها خاصة بان « نهاية اللعبة» قد بدأت وبان حربها على العراق قائمة في اي حال «بموافقة مجلس الامن او من دون موافقته. وبقبول الحلفاء او من دون هذا القبول!!». وفي حديث واشنطن الجديد ايضا انها لا تمانع في ان تقوم ثلة من الضباط العراقيين باسقاط النظام بانقلاب عسكري من الداخل، وانها ستكون مستعدة لاعفاء هؤلاء الضباط من تهمة التعاون السابق مع صدام وبالتالي لعدم محاكمتهم على ذلك، لكنها لا تزال تعزز تنسيقها اللوجستي والعسكري والامني والسياسي مع اسرائيل في ما يتعلق بالحرب ضد العراق أو ما بعد هذه الحرب. كأنها تتوهم امكان ان يقوم ضباط عراقيون بقلب نظام الحكم في بلدهم لمجرد تقديم خدمة مجانية لاسرائيل ولخططها ضد المنطقة وضد العراق!!. وفي حديث واشنطن الجديد كذلك انها تريد للمفتشين الدوليين ان ينهوا عملهم، ولكن بالسرعة التي تحددها هي لا التي يحددها المفتشون او مجلس الامن، وانها تريدهم ان يقدموا تقريرا عن مهمتهم الى مجلس الامن، ولكن شريطة ان يحتوي التقرير ادانة لبغداد سواء بامتلاك اسلحة دمار شامل او بتخبئة تلك الاسلحة او باخفاء المعلومات عنها .اي ان الهدف في اي حال هو فتح الطريق الاميركية للحرب، وحتى تعبيدها دوليا وقانونيا، ايا كانت الوسائل المؤدية الى ذلك وايا كان الثمن الذي يدفعه مجلس الامن والحلفاء، فضلا عن المتحفظين والاعداء ان وجدوا، في سياق الحرب وفي ما بعدها. وحيدة.. ومعزولة! هي الحرب اذا، مهما كان الحديث عنها مختلفا وايا كانت الشعارات التي تطلق في الاجواء وتتلون تارة بلون الحل السلمي واخرى بلون الملاذ الآمن لصدام واعوانه وثالثة بلون قلب النظام من الداخل .بل انه حتى اجتماع وزراء خارجية دول المنطقة (تركيا وسوريا وايران والاردن والسعودية ومصر) في اسطنبول، والذي استهدف اولا وقبل كل شيئ تجنيب المنطقة ودولها اوزار حرب مدمرة على العراق، لم تر فيه ادارة الحرب الاميركية الا انه «خشبة خلاص» تلقيها تلك الدول في بحر العراق المتلاطم لتلتقطها بعد ذلك السفينة الاميركية الباحثة عن مبرر « جدي» لشن الحرب بعد ان تعذر عليها العثور عليه واقناع العالم به حتى الآن. في ضوء ذلك يمكن فهم اسباب الموقفين الفرنسي والالماني، على طريق صياغة «صوت اوروبي» واحد كما قال وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دي فيلبان، عندما يعرض امر العراق على مجلس الامن الدولي مجددا .وفي ضوئه ايضا يمكن حتى فهم التباينات التي ظهرت داخل حلف شمالي الاطلسي وادت الى «تأجيل» الحلف قراره حول الطلبات التي تقدمت بها الولايات المتحدة اليه بشأن مشاركته في الحرب .بل ان الوزير الفرنسي الذي المح في كلمة له امام مجلس الامن الى امكان ان تستخدم بلاده الفيتو «حق النقض» ضد قرار شن الحرب، وقوبل موقفه بالتصفيق من مندوبي روسيا والصين الى المجلس، انما كان يعبر عن موقف دولي من التعنت الاميركي اكثر من تعبيره عن موقف اوروبي او حتى اطلسي. والموقفان، اذا اضيف اليهما الرفض العربي الكامل من جهة والتفرد البريطاني (المدعوم اسبانيا وايطاليا فقط) عن الاتحاد الاوروبي من جهة ثانية والمعارضة الاميركية اللاتينية وعدم الحماس في آسيا وافريقيا من جهة ثالثة، يكشفان الى اي حد تبدو «الامبراطورية» الاميركية الوحيدة في العالم، وحيدة فعلا ومعزولة فعلا فيه . هذا اذا كانت هناك حاجة لان نسقط من الحساب موقف الشعب الاميركي نفسه، بعد ان كشفت آخر استطلاعات الرأي تراجع شعبية جورج دبليو بوش من 75 % الى 53 % وتأييد 7 من اصل كل 10 اميركيين اعطاء المفتشين مهلة كافية من الوقت لانهاء عملهم، باعتبار ان الشعب الاميركي - وفق مايكل دوبس - لن يقف ضد حكومته عندما يبدأ جنوده عملياتهم العسكرية في الخارج في النهاية. الحاجة هنا هي لان نتحفظ (وحتى لان نسقط بالكامل) على ما قاله مايكل دوبس خصوصا عندما تبدأ نعوش الجنود الاميركيين في التوافد على الولايات المتحدة، لتكتمل اذا عزلة «الامبراطورية» الاميركية في الداخل عن شعبها كما في الخارج عن العالم الخارجي. لكن هل تعني هذه العزلة شيئا بالنسبة للادارة الاميركية، الامبراطورية بدورها، في البيت الابيض ؟!. الردود التي عكستها تعليقات بوش ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد ووزير خارجيته كولن باول على مواقف الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الالماني غيرهارد شرويدر، وحتى على «مساومة» رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ووزير خارجيته جاك سترو مع المعارضة المتصاعدة للحرب في بلادهما، لا تقول شيئا مما يمكن تسميته بدرس او شبه درس مما جرى على جبهة حربها ضد العراق حتى الآن . ربما كان العكس هو الصحيح .اذ لم يتحدث بوش الا عن «اعادة عرض فيلم سينمائي عراقي قديم» لا يريد هو ان يشترك في مشاهدته، وعن «حاجة الحلفاء الى ان يتعلموا الدرس فلا يثقون به مجددا كما كان حالهم معه في السابق».اما رامسفيلد فرد على شيراك وشرويدر قائلا: «ان نظرة الى اوروبا تبين ان القلائل هم من يؤيدون فرنسا والمانيا في هذا المجال. ان اوروبا تقف الى جانب الولايات المتحدة الاميركية». كذلك بدا كولن باول كما لو أنه لم يسمع ما قاله شيراك وشرويدر، ولا ما قاله قبلهما دي فيلبين، فأبلغ صحفا اميركية قوله ان الادارة تدرس نماذج مختلفة لادارة صناعة النفط العراقية بعد الغزو، وقال «اذا ما اصبحنا قوة احتلال، سيتم الحفاظ على هذه الصناعة وتشغيلها لمصلحة الشعب العراقي. انها امانة له، وهذا التزام قانوني على قوة الاحتلال». لا ندري ما اذا كان كولن باول قد تذكر هنا على سبيل المثال الالتزامات القانونية لقوة الاحتلال الاخرى في فلسطين. واذ اشار الى ان الجيش الاميركي لن يرغب في ادارة العراق لفترة طويلة بعد الغزو، فانه امتنع عن التكهن بفترة بقائه هناك. كذلك فالانتقادات التي توجه الى ادارة هذه «الامبراطورية» بسبب سياستها القائمة على «الكيل بمكيالين» في ما يتعلق بالعراق وكوريا الشمالية على خلفية امتلاك البلدين اسلحة دمار شامل، وتغطيتها الكاملة سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا لقوة الاحتلال الاسرائيلية لفلسطين بما يتنافى مع مئات القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للامم المتحدة ومجلس الامن الدولي، لم تهز بدورها شعرة كما يقال في رأس القيادة الساعية لحكم العالم وفرض هيمنتها عليه باسم «الامبراطورية» الوحيدة التي لا توازيها ـ ويجب ان لا توازيها في المستقبل ؟! قوة اخرى في هذا العالم. خسارة أم مكسب؟ بعض هذه الانتقادات من الحلفاء للولايات المتحدة، وحتى من حلف شمالي الاطلسي الذي تتولى واشنطن قيادته، لكن بعضها الآخر من داخل الولايات المتحدة نفسها، وبالذات من اعلامها المكتوب والمرئي والمسموع برغم انتظام الاعلام شبه الكامل وراء مطامح «الامبراطورية» العظمى الوحيدة. وعندما يتظاهر اكثر من نصف مليون مواطن في شوارع المدن الاميركية قبل ايام « ضد الحرب» و «من اجل اعادة ابنائنا الينا» ، فترد ادارة بلادهم بارسال حاملات طائرات جديدة الى منطقة الخليج ليصبح عدد الحاملات فيها خمسا، فان هذه الادارة تكون كمن يعلن للمتظاهرين انها لا تعير آراءهم اي اهتمام .وللعلم، فهذا الكلام ليس من عندنا بل انه ورد حرفيا في تغطية احدى الصحف الاميركية لتلك التظاهرات. اكثر من ذلك، ففي هذا الوقت بالذات وبينما تبدو واشنطن معزولة سياسيا حتى بين حلفائها، تقدم ادارتها تقريرا الى الكونغرس تتحدث فيه عن مرحلة ما بعد غزو العراق وتعلن ان قواتها «ستبقى هناك حسب ما يستدعي الامر من اجل المشاركة في اعادة بناء العراق». وفيه ايضا يتم نشر دراسة اعدتها مجموعة عمل برعاية « مجلس العلاقات الخارجية» و«معهد جايمس بيكر للسياسات العامة» حول ما تراه عن مستقبل صناعة النفط العراقية تحت الاحتلال الاميركي. جاء في الدراسة، وسط تحذير من ان الولايات المتحدة قد تربح الحرب في العراق من دون ان تكسب السلام، ان اعادة الانتاج العراقي من النفط الى مستواه قبل الاجتياح العراقي للكويت العام 1990، اي الى 5,3 ملايين برميل في اليوم، قد يحتاج الى ما بين ثمانية عشر شهرا وثلاثة اعوام .وأوضحت ان الجهود اللازمة للوصول الى هذه الغاية تتطلب «اعمالا ضخمة على صعيد البنى التحتية®. الامر الذي يتطلب ايضا مساعدة من كونسورتيوم دولي» وان يكن مع مشاركة وادارة من العراق ذاته. «امبراطورية» وحيدة ؟! نعم بالتأكيد، تعلن الادارة الاميركية بصوت عال. «امبراطورية» معزولة عالميا ؟! نعم ايضا، تقول هذه الادارة بصوت مفهوم وان لم يكن عاليا تماما. في ادبيات العديد من قيادات الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة ان الدولة الاميركية تملك كل ما تحتاجه من اسباب الحياة وضروراتها، فضلا عن انه يفصلها عن العالم محيطان كبيران هما الاطلسي من الشرق والهادئ من الغرب، بما يجعلها قادرة على الاستغناء عن العالم الخارجي وحتى «العزلة بنفسها» عنه وعن مشكلاته. ادارة جورج دبليو بوش الحالية ليست بعيدة عن تلك الادبيات، ان لم تكن في صلبها، لكنها تضيف اليها سياستها «الامبراطورية» للهيمنة على العالم بعد ان خلا من نظام القطبين وتوازن الرعب الذي قام بينهما طيلة نصف قرن من الزمن. من هنا يمكن ان نفهم كيف تنظر هذه الادارة الى «العزلة» التي يفرضها عليها العالم، او بعضه، بسبب موقفها من العراق .فهي تراها في اطار الايديولوجية اياها، ايديولوجية الحزب الجمهوري، ولكن ايضا وفي الوقت ذاته في خدمة «الامبراطورية» التي تحلم بها. . وتبقى «الامبراطورية» الاميركية وحيدة ومعزولة، ولا تندم!!. ـ كاتب لبناني