الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 زمان.. كان المبيد الحشري المعترف به للقضاء على الصراصير وتوابعها هو «الحذاء» او «الشبشب» أيهما أقرب الى يد الانسان او قدمه، وقد ظل هذا المبيد قائما وفعالا وحاسما في اداء مهمته على اكمل وجه دون دعاية تلفزيونية او صحفية لم تكن متوفرة في هذا الوقت، ثم بدأت التكنولوجيا الحضارية تزحف لتزيح هذا المبيد «الفلكلوري» ولتقدم لنا بديلا عنه عشرات من المبيدات الكيماوية ذات العبوات الانيقة اللامعة، هذا المبيد على شكل «بودرة» سريعة الانتشار.. وهذا مبيد آخر سائل داخل عبوات نفاثة او بخاخة ينفذ الى اوكار الصراصير فيصيبها بالاختناق او الاغماء، بعضها يلفظ انفاسه بعد وقت طال ام قصر.. والبعض الاخر يعيش باقي ايام حياته مشوها او مصابا بعاهة مستديمة..! الصراصير هي الاخرى لم تقف «كما يقف العرب الان» مكتوفة الايدي، وشيئا فشيئا بدأت فصائلها في التجمع والتشاور لمواجهة حرب الابادة التي اعلنها الانسان، وبدأ العلماء من الصراصير ابحاثا جادة ومستميتة استمرت طويلا في مختبرات الاوكار والشقوق لدراسة انواع المبيدات وخصائصها، بهدف الوصول الى ما يبطل مفعولها ويفشل تأثيرها، ويحول ما تصوره الانسان انتصارا ساحقا الى هزيمة تاريخية لعلماء البشر على ايدي علماء الصراصير..! وهكذا.. وبعد تجارب عديدة متوالية توصل علماء الصراصير الى نتائج باهرة تمثلت في تعديل اجهزة المناعة لدى الصرصار وتهيئتها لتتكيف تلقائيا ضد اي مبيد جديد بحيث يفقد مفعوله تماما، بل ليتحول احيانا الى غذاء لتسمين الصراصير وتقويتها، وبهذا عادت البسمة الى وجوه وشفاه ابناء المجتمع الصراصيري، وانتهت تقريبا فكرة الابادة الشاملة والجماعية كما تصورها وخطط لها السيد الانسان! وهكذا انتهت المراحل الاولى من الصراع الانساني الصراصيري بانقراض المبيد الفلكلوري الاول، وبشل فاعلية المبيدات الصناعية واحدا بعد الاخر، وبهذا اصبح الصراع متكافئا الى حد ما، سلاح جديد يطلقه الانسان.. تواجهه الصراصير بعد فترة الاستيعاب الاولى بتطوير سريع لاجهزة المناعة لديها بحيث تبطل مفعوله وتمنع تأثيره، وهكذا.. مواجهة صريحة مكشوفة وحرب باردة احيانا وساخنة احيانا اخرى بلا منتصر دائم ولا مهزوم دائم، الى ان بدأ الانسان «كعادته» يسأم هذه المواجهة الخاسرة، فلجأ الى الخديعة واستخدام الاسلحة المحرمة وغير المشروعة بهدف الحصول على نصر سريع.. ورخيص، ولو على الصراصير! وكما هي العادة ايضا فقد بدأت هذه الحرب من اميركا وبواسطة علمائها الذين تدربوا طويلا على ابتكار كافة اسلحة الدمار الشامل لانهاء اي حرب يدخلونها قبل ان يدخلوها فعلا، لا تهم الوسيلة بقدر ما تهم النتيجة، وكان السلاح الجديد اذكى وأخطر من كل الاسلحة التقليدية التي لا تخرج عن الرش او البودرة، السلاح الجديد يتصيد الجيل الجديد من الصراصير فيوقف نموه ويحول دون وصوله الى سن الانجاب، وبهذا تتوقف الاف الزيجات وتنهار الاسر الجديدة في المجتمع الصراصيري وينعدم النسل فيه تلقائيا.. بلا حبوب لمنع الحمل او مشاريع لتنظيم النسل..! الاغرب من ذلك والانكى ان المبيد الجديد كما يقول مخترعه يصيب ذكور الصراصير بالشذوذ..، وتصور معي ـ ان استطعت ـ صرصارا مصابا بالشذوذ..!! ويستمر مخطط الغزو من الداخل، فيستخرج الدكتور «كوهلر» مخترع المبيد المذكور والذي تعتبره الصراصير اليوم عدوها الاكبر، حتى قيل انها كونت مجموعات خاصة لاغتياله او لاختطافه لمحاكمته باعتباره «مجرم حرب»، استخرج الدكتور هذا مبيداً اخر من مشتقات احد الهرمونات، ومن خصائص هذا المبيد انه يصيب اطراف الصراصير بلين يجعلها عاجزة عن السير، وبالتالي عاجزة عن السعي لقوتها وقوت اولادها، ليموت الجميع بعد ذلك جوعا قبل ان تتحرك هيئات الغوث الدولية لانقاذها!! عموما.. اميركا ـ وهذه كلمة حق لابد ان تقال ـ كانت ومازالت في حربها معنا نحن العرب ـ ورغم عدائها الشديد لنا ـ اكثر رحمة وانسانية منها في حربها مع الصراصير، فهي لم تلجأ في حربها معنا ـ حتى الان ـ الى مثل هذه الاساليب الملتوية او القذرة، انها تقتلنا بطائراتها وصواريخها واسلحتها التقليدية، فيقتل من يقتل وينتقل الى رحمة الله، ويعيش ـ او يفلت من الموت ـ من اسعده الحظ فيكمل حياته آمنا مطمئنا ـ ولو الى حين ـ، لا شيء يوقف نموه.. او يمنع اخصابه..، او يصيبه بلين في عظامه وأطرافه فيجعله كسيحا.. لا يقدر على السعي لكسب رزقه.. ولا يستطيع ـ وهو الاهم ـ المشي في مظاهرات تلعن اميركا وتحرق اعلامها..!! انا شخصيا اكره الصراصير.. ولا أطيق رؤيتها، ولكنني اتعاطف مع قضيتها لمجرد انها ضحية لحرب اميركية.. تمولها وتتزعمها الادارة الاميركية! و.. تحيا الصراصير.. عنداً في اميركا وعلماء اميركا..!