الاربعاء 26 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 29 يناير 2003 (1) خلال الأسابيع الأخيرة شهدت مصر ظاهرة غريبة نزلت عليها كالصاعقة .. أحمد فؤاد نجم شاعر العامية الشهير يتحدث مستخدما أدوات العولمة عن أدق أسرار زوجاته الفاجومي ساخر كبير، اذا جلست اليه لا تشبع من جلسته، متحدث لا يترك لغيره فرصة أن يفتح فمه بكلمة، تحس احيانا أنه متصوف من فرط زهده، واعتداده الشديد بنفسه، ينقل اليك احساسا بأنه أغنى الناس وهو يعيش شظف العيش، وربما يقنعك أن التمتع بالدنيا ليس شرطه أن تكون غنيا، عيبه الوحيد أنه مزواج، وضعيف أمام النساء. القنبلة التي تفجرت مؤخرا لابد أن وراءها مكيدة، بدأت حينما احتال عليه صحفي مغمور هذا الصحفي اقنعه بأنه منتج شرائط كاسيت ويريد اختيار نصوص كتبها نجم حتى يبحث لها عن ملحن ومطرب. صاحبنا نجم بطيبة ريفية صدق التمثيلية المحبوكة، وفتح قلبه للصحفي وقبل دعوته علي أمسية ماجنة غابا فيها عن الوعي، وحينما بدأ الصحفي يسأله عن زوجاته، أسرارهن، رغباتهن، الأشياء التي تختلف فيها كل واحدة منهن عن الأخرى، بدأ نجم يتحدث عن زيجاته المتعددة، ولسوء الحظ فان بينهن اثنتان من اللواتي يحظين بالشهرة، صافيناز كاظم وعزة بلبع، ولم يكتف نجم بذلك بل أخذ يتحدث ساردا انطباعاته عن نسوة شهيرات في مصر، سواء كان على معرفة بهن أو غير معرفة. لم يكذب الجمل خبرا، بل قام بتفريغ التسجيل الصوتي لهذه الجلسة الماجنة، وأخذ ينشرها على حلقات في الانترنت ويرسلها الى كل الصحفيين والسياسيين الذين لهم عناوين الكترونية باستهتار. بالطبع أخذت كل سيدة صادفت أحمد نجم في الشارع تضع يدها على قلبها خوفا من أن يكون قد تذكر اسمها في سكره. المطلعون على بواطن الوسط الثقافي والسياسي المصري يعتقدون أن سبب ما حدث هو معاداة نجم لأحد الكتاب الصحفيين من جيل الوسط، وأن هذا الكاتب هو الذي يقف وراء الفضيحة التي حدثت. هكذا ببساطة شديدة نسف نجم كل تاريخه، وأصبح موضع لعنات المصريين، وموضوعهم المفضل في جلسات النميمة. أساء نجم بما فعل لنفسه ولكل من عرفهم وأساء لبلده التي طالما عشقها وعاش نصف حياته في السجون بسبب عشقه هذا. حقا الخمر أم الخبائث. (2) يذكرني ما فعله نجم بمشهد عبقري في فيلم الكيت كات المأخوذ عن رواية مالك الحزين لابراهيم أصلان. يبدأ المشهد في سرادق عزاء، مقريء القرآن وهو شخص كفيف ينتهي من التلاوة بينما كان العامل الذي يفتح مكبر الصوت ويغلقه قد غلبه النعاس، ويبدأ البطل الشيخ حسني وهو شخص ضرير أيضا في التسامر مع المعزين، يحكي عن التاجر الذي حاول أن يغرقه لأنه لم يبعه المحل الذي يملكه بثمن بخس، ثم ينقل الى تاجر مخدرات أين يخفي بضاعته، ومع من يمارس نزواته، ثم عن جواهرجي هجرته امرأته وهربت لأنه عجز عن تلبية رغباتها الجسدية، كل هذا ومكبر الصوت مفتوح يجلجل في هدأة ليل الحارة، ففضح ما انستر في لحظة واحدة ولم يجد الجميع غير قول «الله يخرب بيتك يا شيخ حسني» ولأن شر البلية ما يضحك فإن كل من يقرأ ما قاله نجم عن زوجاته لا يتمالك نفسه من كثرة الضحك. ربما لأن الناس من كثرة الضغوط التي يعانونها والقهر الذي يحسونه يحتاجون الى ضحكة واحدة تطلع من قلوبهم. (3) لما أتت الوفاة أعطى الرجل الزاهد التاجر الذي يعمل عنده خاتما كان في اصبعه قائلا له: أنا ابن الخليفة المأمون، فاذا مت فسلني وكفنني واقبرني ثم سلم هذا الخاتم لأبي. غسله التاجر وكفنه وصلى عليه ودفنه، واتى بالخاتم الى المأمون وكان قد ظن أن ابنه قد قتل في مكان، أو فقد أو ذهب علي وجهه في مكان لا يدري عنه. فلما رأى الخاتم شهق وبكى حتى ارتفع صوته، فسأل التاجر عنه فقال له الخبر، فارتفع صوت الأمير والوزراء بالبكاء، وعرف أنه عرف الطريق لكنهم ما مشوا في الطريق (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام). كم ابن ملك أو رئيس أو أمير في حياتنا على استعداد أن يهجر الدنيا من أجل الحياة الأبقى، انهم يتقاتلون ويتحالفون حتى مع الشيطان من أجل أن يضمنوا حياة رغدة وجاها وسلطانا، أحيانا يضحون بالشعوب من أجل نزواتهم وطمعهم في الملك والتسيد. علي ابن الخليفة المأمون هذا كان قد خرج يوما الى سوق بغداد فلفت نظره حمال يعمل بالأجر، فاذا جاء وقت الصلاة ذهب الى نهر دجلة فتوضأ وصلى، حاول الأمير أن يغريه بالعيش معه في قصر الملك قائلا: أسكن معي القصر بأهلك آكلا شاربا مستريحا، لا هم ولا غم ولا حزن . فرد عليه الحمال قائلا: يا ابن الخليفة لا هم على من لم يذنب، ولا غم على من لم يعص، ولا حزن على من لم يسء، أما من أمسى في غضب الله، وأصبح في معاصي الله فهو مصاحب للهم والحزن والهم هذه الحقيقة أدركها شبان وبنات فلسطين، اشتروا الأبقى بالأدنى، يتركون حياة الهم والغم ليعيشون في صخب وعلى محفات من نور، صاعدين الى سعادة أبدية والى نعيم لم يخطر على قلب بشر، يضرب شارون ويقتل ويغتال ويهدم البيوت، لكن عزائم أبناء فلسطين أقوى وأشد، يدافعون عن أوطانهم بأرواحهم فيما نجلس نحن نناقش ببرود شديد جدوى العمليات الاستشهادية، وهل قلبت علينا الرأي العالمي وأغضبت أميركا أم لا، ونجلس أحيانا لكي نتجادل حول أحمد فؤاد نجم ونسائه، وهل تعرض للخداع أم نشر كل غسيل قذر يعرفه بمحض اختياره. في يوم محنة كربلاء قال الحسين سيد الشهداء: الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه مادرت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون.