الاربعاء 26 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 29 يناير 2003 «لقد دخلت أميركا مرحلة جنون تاريخي هي الأسوأ حسبما أتذكر: أسوأ من المكارثية وأسوأ من خليج الخنازير وأشد كارثية من حرب فيتنام على المدى البعيد». هكذا يلخص جون لوكار اميركا ما بعد 11 سبتمبر تحت قيادة جورج بوش وشركاه. لوكار اشهر روائي بريطاني معاصر. والمقالة التي نشرها في صحيفة «الأوبزيرفر» الاسبوع الماضي تتنافس فيها الصراحة الشجاعة مع الفكر السياسي الثاقب.. مع البلاغة. وعبر هذه المقالة التحليلية الطويلة يقول هذا الروائي المتخصص في روايات التجسس العالمي ما لا يقال فيضع أيدينا على الاجندة الخفية لمشروع الحرب الذي يعده بوش وجماعته للعراق. على الفور يقول لوكار ان هذه الحرب الوشيكة قد جرى التخطيط لها منذ سنوات قبل ضرب مركز التجارة العالمي في سبتمبر 2001، لكن حادثة تفجير المركز ومعه مبنى وزارة الدفاع «البنتاغون» هو الذي جعل شن هذه الحرب ممكنا. فلولا حادثتا التفجير الزلزالي في نيويورك وواشنطن لظلت «طغمة بوش»، على حد تعبير الكاتب، حتى الآن منهمكة في تفسير وتبرير قضايا حساسة منها: كيف تم انتخاب الرئيس بوش وما يتعلق بذلك من اسرار تآمرية؟.. وما هي ملابسات إفلاس شركة إنرون وعلاقة آل بوش باختلاس أموال اصحاب الاسهم؟.. وما هي التشريعات والقرارات التي اتخذت خصيصا لصالح طبقة المليارديرات. ثم ما هي ملابسات دعم إدارة بوش لاسرائيل؟ على حين فجأة وقعت تفجيرات سبتمبر لتهييء الفرصة «لأكبر خدعة دعائية في التاريخ البشري» لتحويل الانتباه الشعبي في الولايات المتحدة من انحرافات ادارة بوش الى ابن لادن و«القاعدة».. ومن ابن لادن و«القاعدة» الى صدام حسين وأسلحة الدمار الشامل. ولاستكمال أغراض الخدعة الدعائية فانها دعمت بمشروع للحد من الحريات المدنية داخل المجتمع الأميركي باسم حماية الجبهة الداخلية من عمليات الارهاب ومن «الخطر العراقي». وهكذا تنفذ حملة تلو حملة من اجل ابقاء الشعب الأميركي في حالة ترعيب، عن طريق الاجهزة الاستخباراتية، وتجهيل عن طريق الشبكات التلفزيونية ووسائل الإعلام الأخرى. استهداف العراق بحرب شاملة هو أحدث حلقة في سلسلة الحملات الهستيرية المركزة، يقول لوكار. لكن بوش يحرص على عدم البوح بالسبب الحقيقي لمشروع الحرب ـ لا للشعب الأميركي ولا للعالم. «التصدي لمحور الشر ليس السبب الحقيقي لشن الحرب»، كما تقول بيانات الإدارة الأميركية. إن السبب الحقيقي هو النفط. ومن سوء حظ الرئيس صدام حسين، يقول الروائي البريطاني، انه يجلس على ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم. هذا الاحتياطي هو بالضبط ما يريده بوش. ولو لم يكن للرئيس صدام هذه الثروة الطبيعية الهائلة لبقي مطمئنا يمارس سلطة استبدادية «على غرار ما يفعل البعض في المنطقة تحت حماية ومباركة ورضا الولايات المتحدة». الثروة النفطية العراقية هي اذن محط نظر الآن من شركات النفط الأميركية التي أتت ببوش ومساعديه. بوش واركان ادارته يخدمون مصالح الشركات النفطية بحكم الخلفية الشخصية لكل منهم. ولوكار يكشف لنا شيئا عن هذه الخلفيات الشخصية: جورج بوش كان يعمل خلال الفترة من عام 1978 الى عام 1984 مديرا تنفيذيا لشركة «أربستو للطاقة»، وهي شركة نفطية.. ومن عام 1986 الى عام 2000 كان يعمل مديرا تنفيذيا لشركة «هاركين» النفطية. ديك تشيني نائب الرئيس كان يعمل خلال الفترة من عام 1995 الى عام 2000 مديراً تنفيذيا لشركة «هاليبيرتون» للنفط. كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس لشئون الأمن القومي عملت خلال الفترة من عام 1991 الى عام 2000 مديرا تنفيذيا مع شركة «شيفرون» للنفط. ولهذه الشركة ناقلة نفط سميت باسم السيدة رايس! «الخطر العراقي» ليس اذن سوى اسطورة ألفت تأليفا لتبرير شن الحرب من اجل النفط. وفي هذا الصدد يقول لوكار ان العراق لا يمثل اي خطر راهن سواء لجيرانه أو للولايات المتحدة او لبريطانيا. «وحتى لو وجد لدى العراق اسلحة دمار شامل فانها لن تكون سوى شيء ضئيل بالمقارنة مع ما تملك اسرائيل او الولايات المتحدة نفسها». لكن بالاضافة الى استهداف ثروة النفط العراقية هناك غرض آخر وراء شن الحرب المرتقبة وهو أن تستعرض اميركا قوتها العسكرية الجبارة امام العالم عموما.. وبوجه خاص امام أوروبا وروسيا والصين وكوريا الشمالية والشرق الاوسط «لابلاغهم برسالة مفادها من يحكم اميركا في الداخل ومن تريد أن تحكمهم اميركا في الخارج». وهكذا افصح الروائي جون لوكار عما يعتمل في ذهنه وفي ضميره معا. وقيمة مقالته لا تنحصر في ذاتيتها لأنها تبرز كنموذج عالمي في الشجاعة الفكرية خاصة إذا تلفتنا حولنا في العالم العربي لنجد معلقين من المشاهير لا هاجس يدفعهم الى الكتابة او الخطابة التلفزيونية سوى بث روح الهزيمة.