الاربعاء 26 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 29 يناير 2003 أثناء التحضيرات والاستعدادات الممتدة ليوم ذهاب الناخبين الى صناديق الاقتراع، من الطبيعي أن تجتهد القوى الحزبية المعنية في أية دولة في ابراز أدوارها الأكثر اشراقا وفاعلية ازاء هموم الرأى العام وأولوياته، وفي هذا السياق، تولي الأحزاب المشاركة عناية بالصور النمطية والانطباعات الأكثر ثباتا في الإدراك الجمعي للناخبين حول زعمائها في الصفوف الأولى، لاسيما قياداتها الذين سيعهد الى أحدهم بتشكيل الحكومة اذا ماحاز حزبه على الأغلبية اللازمة. النظام السياسي ليس بدعا من هذا الاتجاه العام. اذ تشهد مواسمه الانتخابية تنافسا لا هوادة فيها بين البرامج والاشخاص الحزبيين على كعكة الناخبين. وممايؤجج هذا التنافس في إسرائيل كثرة القوائم والكتل السياسية المسموح لها بالمشاركة، الأمر الذي يتوقع معه محدودية نصيب كل منها من هذه الكعكة، ففي انتخابات الكنيست الخامسة عشرة (1999) شاركت 33 قائمة انتخابية عجزت 16 منها عن تجاوز نسبة الحسم المطلوبة لدخول البرلمان (5,1% من الأصوات الصحيحة)! لكن استثنائية هذا النظام أو اختلافه ومجافاته لتقاليد التدافع الانتخابي تظهر في جوانب كثيرة، يعنينا منها في هذا المقام تلك المتعلقة بطبيعة ومحتوى القضايا والرموز التي تعتمد عليها الأحزاب في تزكية أنفسها وقيادييها أمام الناخبين، القطاعات اليهودية منها بالذات. الأحزاب في النموذج الاسرائيلي تتخذ من المزايدة على التشدد في مواجهة الحقوق العربية عموما والولوغ في ارهاب الشعب الفلسطيني بخاصة، وقودا لها في اثبات الجدارة بالحكم، وهي في هذا السلوك لا تتمايز بين يمين ويسار، بين قوى متطرفة ومعتدلة، بين سلاميين وحربجية! ندرك بالطبع أن هذا النموذج يعرف أنماطا من التعارض والتدافع على قضايا أخرى، كالمزايا الاقتصادية والاجتماعية والتعريف بهوية الدولة وميولها بين العلمانيين والمتدينين وتوزيع الموارد والعطايا بين قطاعات المستوطنين القدامى والجدد بحسب الجهات ومصادر الهجرة بين غربيين أشكناز وشرقيين سفارد.. غير أن القضية الأبرز والأكثر قابلية لتسويق القوى المنغمسة في العملية السياسية بين يدي الشارع الاسرائيلي، هي السيرة الذاتية للعنف الذي اقترفته هذه القوى بحق العرب والفلسطينيين. والقوة الأكثر حظا في خيارات الناخبين الاسرائيليين هي التي تعرض تاريخا أكثر دموية وارهابا أسود في تعاملها مع الجانب العربي الفلسطيني، وهي التي تعد في الوقت الراهن بكسر أنف المقاومة الفلسطينية والاجهاز على تجليات الانتفاضة المتفاعلة منذ خريف 2000. في إنتخابات 1992 دفع حزب العمل بزعيمه اسحق رابين بصفته صاحب التاريخ الحافل في العسكرية الاسرائيلية منذ مرحلة تأسيس الدولة وعهد العصابات المسلحة، ومبدع سياسة تكسير عظام أطفال الانتفاضة الفلسطينية (الاولى). وفي انتخابات 1996، أيقن العماليون أن قائدهم شيمون بيريز لا فرصة له بالفوز اذا لم يخلع قناع الحمامة ويلبس مسوح الصقور ويفعل فعلهم. فكانت مذبحة قانا. وخطأ الفكرة في حينها أن جمهور الناخبين اختار الأصل بدلا من الصورة. فغاز الليكود وبنيامين نتانياهو. وحين نافس ايهود باراك على الحكم، لاذ كسابقيه وأساتذته من الجنرالات المتسيسين بسيرته في ادماء العرب. لقد ظل كبطل مذبحة الفردان في بيروت 1973 ليلة ارتدى زي امرأة على رأس الفرقة التي اغتالت ثلاثة من قادة الثورة الفلسطينية، كمال ناصر وكمال عدوان وأبويوسف النجار. وراح انصاره يذكرون عدد الأوسمة التي استحقها في حروبه ضد العرب. ولأن سيرة نتانياهو رجل الدعاية والاعلام كانت أوهن من أن تجذب الناخبين عام 1999، المولعين بصور رموز الحرب والقمع بزعم أنهم الأجدر بتحقيق خرافة الأمن مئة في المئة، فقد إستعاذ رجال حملته الانتخابية بالتاريخ الارهابي لأحد أشقائه الذين شاركوا في عملية عنتيبي في السبعينيات. لقد ارادوا تقديمه كقائد مؤهل للانتقام من الفلسطينيين، وكأن برنامج الليكود المفعم بالكراهية والعنصرية لا يكفي للشفاعة له في صناديق الناخبين! المنطق ذاته غلف المقاربة الحزبية للمعركة الانتخابية بين باراك وأرييل شارون قبل عامين، ففي مواجهة مجرم حرب قديم مثل شارون آثر باراك التصعيد ضد انتفاضة الأقصى، بل ولم يتورع عن الخوض في دماء بعض مواطني دولته من فلسطين 1948، غير ان الجمهور الاسرائيلي فضل شارون على باراك، مكررا تقليده في الاصطفاف خلف المشهود له أكثر بالكفاءة الاجرامية على نحو مافعلها من قبل مع بيريز ونتانياهو. ويقال ان مما يضعف عمرام متسناع في غمرة الحملة الانتخابية الراهنة نسيان سواد الإسرائيليين لتاريخه العسكري. فمعظم المهاجرين الجدد في العقد الأخير، وهم زهاء 20% من هيئة الناخبين، لا يعرفون أن متسناع كان ضابطا كبيرا في الجيش على مدار ثلاثة عقود وأنه حصل على أوسمة تقدير لبلائه الحسن ضد العرب. وعليه، خطط المسئولون عن دعايته الانتخابية للكشف عن هذا الماضي «المجيد»، ولاسيما تلك المرحلة التي قاد (فيها مايعرف بالمنطقة الوسطى الضفة الغربية) منفذا لسياسة وزير الدفاع رابين في تكسير عظام المنتفضين المومأ اليها اعلاه! يدرك منظمو الحملات الانتخابية في النظام الإسرائيلي أنهم يتعاملون مع هيئة انتخابية مريضة بهاجس الأمن المطلق. والأهم أن هذه الهيئة لا ترى علاجا لهذا الاطار المعرفي الخبيث الا عبر أدوات القوة والارهاب. ولذا يحاول هؤلاء المحترفون العزف على هذا الوتر ارضاء لنزعة متأصلة في الوجدان الصهيوني. فليس بلا مغزى اذن أن يكون السياق الزمني للانتخابات نذير سوء تجاه الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. ذلك أن هذا السياق يفعل فعله في الكشف عن أبغض مافي أجندة رجال الحكم والسياسة، حيث تصبح الحمائمية والميول السلمية تهمة ينبغي التبرؤ منها.. وبدلا من أن يتعصب مدعو هذه الميول لموقفهم، نراهم عنها يبتعدون ومنها يتنصلون.. ولو كان هؤلاء يتبنون هذه المواقف عن قناعة أصيلة لدافعوا عنها. لكن لعنة مركب العنف في الأيديولوجية الصهيونية أقوى من أن تقهر لديهم، وهذه تتجلى أكثر في مواسم الانتخابات. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة