الاربعاء 26 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 29 يناير 2003 كلما تصاعدت وتيرة التهديدات الاميركية الموجهة ضد العراق مترافقة مع تزايد الحشود العسكرية في منطقة الخليج، كلما اتسعت دائرة رفض الحرب على المستويين الاقليمي والعالمي والتحذير من نتائجها ومضاعفاتها الكارثية، واذا كان مؤتمر اسطنبول، الذي شاركت فيه ست من الدول الرئيسية المحيطة بالعراق، عكس على نحو شديد الوضوح حالة الخوف والقلق التي تجتاح شعوب المنطقة وحكوماتها من التداعيات المحتملة للغزو الاميركي الوشيك. فإن الموقف المشترك لفرنسا والمانيا الرافض لاستخدام القوة في معالجة الملف العراقي والمحذر من تجاوز دور مجلس الامن ومهمة المفتشين الدوليين يهدد بحدوث انقسام اوروبي ـ اميركي خطير ستكون ساحته العالم كله وليس منطقة الشرق الاوسط وحدها. لقد كان من المفترض ان يكون موعد السابع والعشرين من يناير الجاري، حيث يقدم المفتشون الدوليون اول تقرير رسمي مكتوب ومفصل الى مجلس الامن عن نتائج مهمتهم بعد نحو شهرين على انطلاقتها بحثا عن اسلحة الدمار الشامل العراقي، فرصة يستعيد فيها العالم انفاسه حيث تجري الدول المعنية تقويماً جدياً لمدى التقدم الذي تم احرازه في اطار المهمة التي تضطلع المنظمة الدولية بها. والحال، فإن ما حدث خلال الاسابيع الماضية اظهر في صورة جلية ان بعثة «انموفيك» تحتاج الى مزيد من الوقت لانجاز مهمتها، وهي حققت بالفعل نتائج جيدة في مجال عملها، وان تكن لم تعثر حتى الآن على اي شيء مما تبحث عنه وفقا لبياناتها المعلنة. وبغض النظر عن التذمر الذي تبديه البعثة نتيجة لما تصفه بـ «عدم التعاون المبادر» من قبل السلطات العراقية، والناشيء في حقيقة الامر عن فشل المفتشين في بلوغ هدفهم المنشود فإن ذلك لم يمنع من تطور التعاون بين الطرفين الى وضع «اتفاق النقاط العشر» الذي يضمن للمفتشين تنفيذ مهمتهم في افضل صورة ممكنة. ولكن، وكما كان متوقعاً منذ البداية فإن مسألة استجواب العلماء العراقيين شكلت وستشكل دائما، نقطة تعارض رئيسية بين «انموفيك» والسلطات العراقية. ومع ان قرار مجلس الامن 1441 ترك الحرية للمفتشين الدوليين لاستجواب العلماء من دون شروط او اعتراض من قبل السلطات العراقية، داخل العراق أو خارجه، لكنه لم يتضمن اي بند ينص على اجبار العلماء على تقديم افاداتهم سواء بحضور مندوبين من دائرة الرقابة الوطنية العراقية او بغيابهم داخل الاراضي العراقية او خارجها. فهذا الامر متروك للعلماء انفسهم ولمدى تعاونهم الشخصي في اطار الحرية الشخصية لكل منهم.. وبالفعل.. فقد وجد المفتشون الدوليون درجات متفاوتة من تعاون العلماء، وان كانوا جميعهم اصروا على ان تجري عمليات التحقيق بحضور مندوبي دائرة الرقابة الوطنية العراقية خوفاً من حصول تلاعب في الافادات المقدمة كما يقولون، وهي مسألة تعتبر بالفعل حساسة جدا، وقد يكون لها تأثيرها الكبير على الصياغات النهائية كتقارير المفتشين وبالتالي على نتائج عمليات التفتيش برمتها. هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى فإن الادارة الاميركية كانت تأمل ان تتيح لها عمليات استجواب العلماء الحصول على المعلومات التي تريدها سواء بالنسبة للعثور على اسلحة دمار شامل مازال العراق يحتفظ بها ـ كما تعتقد هي ـ او لتبرير الضربة العسكرية التي تنوي توجيهها للعراق. وفي كلا الحالين فإنها تريد لهذا ان يحدث ضمن الفترة الزمنية التي حددتها لاطلاق عمليتها العسكرية اي النصف الثاني من فبراير المقبل. كما تشير المعلومات التي يجري تسريبها عبر مصادر مختلفة، وكانت الادارة الاميركية وعدت بتزويد بعثة «انموفيك» ادلة تثبت احتفاظ العراق بأسلحة دمار شامل، بيد انها لم تف بوعدها حتى الآن.. ويبدو ان واشنطن لاتزال تعتقد بامكانية الحصول من علماء عراقيين يجري تسفيرهم الى الخارج على الادلة المطلوبة. ولهذا من المتوقع ان يشكل موضوع استجواب العلماء احدى نقاط التصادم الرئيسية مع «انموفيك» وعندها قد تستغل الولايات المتحدة الوضع لتبرير ضربتها العسكرية. وعلى اي حال فإن ثمة اعتقاداً لدى المراقبين مفاده ان «حالة الانتظار» القلقة والمتوترة، السائدة حالياً، مرتبطة باستكمال الاستعدادات العسكرية الاميركية وليس باستكمال مهمة المفتشين الدوليين، أو حتى بالحصول على ادلة من العلماء العراقيين او سواهم، في شأن وجود اسلحة عراقية محظورة لم يتم تدميرها بعد. ويبدو ان القيادة العسكرية الاميركية لم تحصل بعد على كامل التسهيلات المطلوبة من بعض الدول المجاورة للعراق لاسيما تركيا، خصوصا ما يتعلق بحشد عشرات الالوف من القوات الاميركية البرية التي يفترض ان تشارك في عميات الاجتياح المقررة وفي حين يؤدي ذلك الى اعاقة تنفيذ الخطط العسكرية التي تتطلب تعاوناً مفتوحاً من الدول التي تملك حدوداً طويلة مع العراق، فإن تأخر الغزو الاميركي يولد المزيد من العقبات مع اتساع نطاق المعارضة الاقليمية والدولية للحرب المتوقعة، رسميا وشعبيا، فضلا عن عامل الظروف المناخية الضاغط من اجل مباشرة الضربة العسكرية قبل حلول الصيف وارتفاع درجة الحرارة. التفاعلات الاقليمية على صعيد التفاعلات الاقليمية، فإن الدول الست «تركيا، ايران، مصر، السعودية، سوريا، الاردن» التي التقى وزراء خارجيتها في اسطنبول وان تكن تحاشن توجيه خطاب مباشر الى الولايات المتحدة «كل لاسبابها الخاصة» لكنها شددت بالمقابل على ان مجلس الامن الدولي يتحمل كلياً مسئولية تقرير مدى امتثال العراق لقراراته وضمان تطبيقها بشكل كامل واكد المجتمعون ـ في بيانهم الختامي ـ استعداد دولهم للتعاون مع مجلس الامن في سعيه للتوصل الى حل سلمي. ومع ان معظم فقرات البيان الختامي توجهت في شكل رئيسي نحو العراق محذرة او مناشدة او مطالبة حتى فيما يتعلق بالشئون الداخلية وبالعلاقات مع الدول المجاورة، لكن البيان بدأ متوازناً في صورة عامة، اذ حصر مسئولية التعامل مع الملف العراقي بمجلس الامن الدولي، ووفقا للقرارات الصادرة عنه، واكد البيان على ضرورة ان يبدي العراق تعاوناً كاملاً مع المفتشين الدوليين، بما يجنبه هو والمنطقة كلها العمل العسكري الذي تهدد به الولايات المتحدة. واذا كان المراقبون لم يجدوا في مضمون البيان الختامي شيئاً جديداً يتجاوز ما هو معروف عن مواقف الدول الست حيال الموضوع العراقي، لكنهم اعربوا عن اهتمامهم بهذا التطور الذي جمع عدداً من دول المنطقة الرئيسية، ذات السياسات المتضاربة عادة حول موقف اقليمي واحد، فقد التقت تركيا ـ الاطلسية العلمانية «ولو في ظل حكم حزب ذو خلفية اسلامية» والحليفة التقليدية لاميركا مع ايران الاسلامية المتشددة ضد الولايات المتحدة، ثم مع سوريا التي باعدت بينها وبين انقرة نزاعات تاريخية عميقة واخرى تتعلق بالمياه. كذلك الحال بين مصر وايران حيث العلاقات الثنائية بينهما ما تزال مقطوعة، ومع ان العلاقات الايرانية ـ السعودية تحسنت كثيراً في السنوات الاخيرة، لكنها ظلت دون مستوى التنسيق سواء بالنسبة لمسائل اقليمية كبرى او بالنسبة لقضايا دولية تشكل الولايات المتحدة احد اطرافها الرئيسية. وهكذا.. فإن لقاء «الاضداد والمتناقضات» يعتبر مهماً في حد ذاته كبداية لتعاون مستقبلي اوسع بين الاطراف المذكورة، الى ذلك فهو اكد على امرين اساسيين: الاول، اعتماد الحل السلمي في معالجة الملف العراقي.. والثاني، حصر مسئولية المعالجة بمجلس الامن الدولي، والامران يخدمان هدفاً واحداً هو تجنب الحرب في المنطقة، ومنع الولايات المتحدة من الانفراد في اتخاذ القرار الحاسم بشأن مصير المنطقة. التفاعلات الدولية اما على صعيد التفاعلات الدولية فقد اثار «المحور الفرنسي ـ الالماني» الجديد الذي تشكل ضد الحرب الاميركية على العراق مواجهة فورية مدوية مع الولايات المتحدة، بلغت حد استخدام كل من الطرفين لغة قاسية ومهينة في مخاطبة الطرف الآخر. وفي تقدير المراقبين ان هذا التطور السلبي ينبغي ان ينظر اليه من زوايا عدة ولا يشكل الملف العراقي فيها سوى السبب المباشر. ذلك ان دوافع الخلاف كثيرة ومتشعبة. بالنسبة للملف العراقي بات من الواضح للاتحاد الاوروبي ولدوله الرئيسية خصوصاً ان الهدف الرئيسي للحرب الاميركية المقررة ضد العراق هو تسجيل سابقة تؤكد فيها الولايات المتحدة قدرتها على الانفراد في تقرير اي شأن من شئون العالم خارج اطار مجلس الامن الدولي.. ومن دون الاتفاق مع احد. وفي الموضوع العراقي تحديداً، فإن واشنطن تسعى للسيطرة تماماً على النفط العراقي، ثم توسع هيمنتها على الثروات النفطية في دول المنطقة كافة، وهذا من شأنه ان يتيح لها التحكم بأهم المصادر النفطية في العالم، ومن خلال هذا الموقع الممتاز والمتميز تستطيع ان تفرض سياساتها وشروطها على جميع دول العالم المستوردة كبيرها وصغيرها. ان الاتحاد الاوروبي يبدو الاكثر تأثراً بأية سياسات اميركية مستقلة مضادة.. وهو لا يستطيع ان يبني قوته الحقيقية الفاعلة وفقا لعملية التوسع التي يقوم بها حاليا برفع عدد اعضائه من 15 الى 25 دولة، اذا كانت مصالحه الكبرى مرتبطة برضا الولايات المتحدة عنه وبمدى ما تسمح بامتلاكه من اسباب القوة والتطور الاقتصادي وليس هناك من شك في ان الطاقة التي يشكل النفط احد عناصرها الرئيسية، هي القاعدة الاساسية للاقتصاد، فكيف يستطيع الاقتصاد الاوروبي ان يواجه الاقتصاد الاميركي او ينافسه اذا كانت الولايات المتحدة تتحكم بأكبر مصادر للطاقة في العالم؟! ويرى المحللون ان هذا هو ما دفع المانيا الى خوض معركة مبكرة للخروج من تحت المظلة الاميركية، فكما ان برلين لن تتمكن من استعادة شخصيتها الوطنية المستقلة اذا ظلت مجرد تابع للولايات المتحدة ولمصالحها، فإن اقتصادها القوي سيفقد الكثير من عناصر قوته اذ خضع لاي ابتزاز من خلال تحكم قوة واحدة بمصادر الطاقة في العالم. وفي هذا المجال يصبح التحالف الالماني ـ الفرنسي طبيعياً ومبرراً بل ضرورياً، بحيث يشكل استجابة لواقع تفرضه الجغرافيا السياسية، ويفرضه الاقتصاد ايضاً. التنافس الاميركي ـ الاوروبي والحال، فإن العبارات المتسرعة التي اطلقها وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد وتحدث فيها عن «أوروبا القديمة» التي تمثلها المانيا وفرنسا و«أوروبا الجديدة» التي تمثلها دول اوروبا الشرقية التي انضمت حديثاً الى حلف الاطلسي انما تكشف عن عمق التنافس (ان لم نستعمل كلمة «الصراع») بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي. فالاولى لا تدفع بملف شمال الاطلسي شرقاً لمحاصرة روسيا فقط وتضييق الخناق عليها، بل هي تفعل ذلك لاضعاف اوروبا ايضا، عبر منعها من اكتساب قوة اضافية ويبدو ان هذه المهمة هي الاكثر الحاحاً بالنسبة لواشنطن في الوقت الحاضر، بعدما اكتشفت ان اوروبا «بقديمها وجديدها» وليس روسيا والصين، برغم تناقضاتها الكبيرة مع الدولتين، هي اكثر من يهدد مشاريعها الهيمنية واقدر من يستطيع التشويش عليها مستندة الى رأي عام اوروبي واع ومتفتح لديه حساسية مفرطة حيال «الغطرسة الاميركية». وهذا يعني ان الخلاف الاميركي ـ الاوروبي مرشح لان يتسع ويزداد حدة مع تسارع الاحداث المرافقة لعملية غزو العراق، وقد دلت ردود الفعل الاوروبية العنيفة على تصريحات رامسفيلد ان الاوروبيين الذين تعارض نسبة لا تقل عن 75 في المئة منهم التحرك العسكري الاميركي ضد العراق، انما يعارضون التوسع الاميركي و«الغطرسة» الاميركية على حد ما حفل به العديد من بيانات ومقالات المفكرين والكتاب الاوروبيين الذين سارعوا للرد على الحملة الاميركية. فهل يقترب موقف الدول الاقليمية من الموقف الاوروبي الرافض للحرب، بحيث يصبح الطرفان اكثر تنسيقاً؟. وثمة من يعتقد بأنه اذا ما حدث ذلك سيغدو من الصعب على الولايات المتحدة الحصول على التسهيلات الحدودية المطلوبة، ومن الطبيعي، في هذه الحال، ان يؤثر ذلك على قرار واشنطن العسكري وعلى خياراتها التي تبدو الآن مفتوحة، ومن دون ضوابط. فهل نحن فعلا امام مثل هذه المتغيرات؟! ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا