الاربعاء 26 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 29 يناير 2003 ما الفرق بين النجاح الحقيقي والنجاح الزائف؟ وما الفرق بين المشاعر الإيجابية التي تتولد عند بلوغ الهدف وتؤدي إلى رفع رصيد الفرد من شعوره بالاحترام الذاتي لنفسه وبين النجاح الذي يتسبب في هبوط معدل احترام المرء لذاته، وشعوره بالهزيمة الداخلية رغم ان الوسط الاجتماعي يؤكد له انه قد حقق الفوز الذي يريد؟ ألا تكفي الأضواء الساطعة، ورسائل الإعجاب التي تمطر على سماء هذا الفرد الذي يشار إليه بالبنان، ويحسده الآخرون، ويتمنون لو يصلوا إلى ما وصل إليه ان تخفف شعوره بالغربة الداخلية، والحنين الى اشياء فقدها وسط الزحام، وابتعد عنها اثناء لهاثه وراء هدف محدود نظر اليه بمكبر هائل على انه المنتهى والغاية، وفقد في جريه وراء ذلك الحلم اشياء انفس من الذهب، وأغلى من المال، وأعز وأثمن من صيت زائف، ووهم كاذب سرعان ما ينكشف له عن سراب يحسبه الظمآن ماء حتى اذا ما جاءه لم يجده شيئاً ووجد فاتورة من الخسائر التي فاقت في قيمتها اضعاف ذلك الدوي الذي سيتلاشى في الزمن القريب، مخلفاً وراءه حصاداً هشاً تذروه رياح الايام، وتمحوه حركة الليل والنهار، وتخفيه ـ ربما والى الابد ـ تقلبات الحياة ومفاجآتها غير المرغوبة!! ان خطورة عدم التفريق بين النجاح الحقيقي الذي يؤدي الى جودة الحياة، والنجاح الزائف الذي يؤدي إلى فقدان مكاسب حقيقية ما كان يجب الاستغناء عنها او التفريط بها تحت اي مبرر او سبب. ان موجة من المتهالكين على خطف النجاح الموهوم قد طفت على افق حياتنا الاجتماعية، وعكرت بوجودها صفو مجتمع كان افراده اكثر هدوءاً، واقدر على الاستمتاع بمباهج الحياة دون الحاجة الى القفزة الخطأ التي توقع اصحابها على رؤوسهم، وتخلف عاهات وامراضاً تصيب الروح لا الجسد، وتشوه في الانسان اجمل ما منحه الخالق وهو مراعاته لأولوياته، وارتباطه بالدائرة الاجتماعية الاقرب التي تمثل النبض الحيوي القادر على تغذية بقية العلاقات الانسانية بمولدات الحركة والاستمرار، والدفع بالفرد المنتمي اليها الى تسجيل اهداف حقيقية في مرمى الحياة، وثمة هدوء داخلي وشعور بالاتصال الايجابي يمنح ذلك الفرد القوة والتدفق والفاعلية. وها هم علماء الادارة وعلماء النفس يتفقون على ان النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، وانما هو الذي يشكله فريق عمل متجانس تربطه عاطفة صادقة متبادلة، ويوحد بين اعضائه الهدف المشترك الذي يتبناه الجميع ويسعون لتحقيقه. ومن هذه الزاوية فان مقولة «لا تحم نفسك بالاسوار وانما احم نفسك بالاشخاص الذين تحبهم» تصبح هي المقياس الحقيقي على نوعية النجاح الذي تساءلنا عن طبيعته في بداية الحديث. وعليه، فان قرب الفرد او بعده عن مد جسور التواصل مع عائلته هو الذي يحدد ان كان نجاحه مبنياً على اسس صحيحة، ام انه نجاح محدود لا يوازي في اثره وقيمته ذلك التعب الذي بذله في سبيل نيله وحيازته. ورغم ان اعظم الانجازات هي التي يقف وراءها دعم اسري لا محدود الا ان البعض فهم خطأ ان ضريبة النجاح هي اهمال الابناء والزوجة، والتخلي عنهم وكأنهم العقبة الكؤود التي ستعيق من انطلاقته وحركته. والصواب ان موارد مثل هذا الفرد المعرفية، وقدراته الادراكية قد خانته، وقصرت به عن اكتشاف القدرة الخلاقة للرابطة الاسرية في تيسير بلوغ الاهداف الشخصية وليس العكس. والعاقل وحده هو من يهييء بيئته الاسرية، وافراد عائلته ليكونوا حلفاءه الاقوياء وشركاءه المخلصين في صناعة النجاح الذي يريد. وما من عاطفة اقوى من عاطفة الابناء، والزوجة والوالدين والاخوة والاخوات، هؤلاء هم اقوى الحلفاء، وافضلهم، والمرشحون دائماً لمساندة بعضهم بعضاً دون شروط او حسابات ما تطالب به العاطفة الحية التي تنطلق بوعي وادراك لسد الفجوات وتدارك النقص وتقديم الدعم. لله در العقلاء كيف يستثمرون الظروف لصالحهم وينتفعون من مواردهم، ولله ما اغرب امر الجهلاء ينقضون غزلهم بعد قوة انكاثا، ويفرقون جمعهم بعد وحدة، وينثرون حبات العقد الثمين وهم يظنون انهم يحسنون صنعاً!!