الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 الضحك في المأساة مرارة، وليس في العالم اليوم من يعيش هذه المأساة سوى العربي، الذي احولت عيناه بالامس بين المجازر والقتل الجماعي الذي يتعرض له الاهل في فلسطين وبين ما تخبئه الايام للاهل في العراق. هذا العربي المكتف الايدي، المصفد بالاغلال، محبوس الصوت، مكسور الخاطر والشوكة، المنتوف ريش كرامته، جالس على قارعة الطريق، عين على الدماء التي تسيل هناك، وعين على ما يزحف باتجاه العراق من آلات حرب ودمار. الاخبار مطت أذنيه حتى مسخت منظره العام، لا شيء سوى الفرجة الدامية، القاتلة، فرجة مع سبق العجز والاصرار، فرجة امام مشاهد تحرك فظاعتها الجبال. الضحك في المأساة موت، وفي مثل احوال العربي، موت مذل.. المشهد طفلة تبكي اباها الذي ذبح ذبحا، وفي المشهد جنازات، وبيوت مهدمة، وألم يومي لا ينتهي، وكأن الفلسطيني خلق ليذبح امام عدسات المصورين، وخلق لكي يكون وسيلة التشفي، وخلق لكي يفعل به كل ما يفعل. في المشهد واحد يفتك به والاخر يتفرج، كأنه مغصوب على الفرجة، فرجة صامتة. الضحك في المأساة عار.. ونحن ننغمس فيه ونغوص فيه والفرجة مصير محتوم. الضحك في المأساة كفر بالانسان الذي يلبسنا ونلبسه، ومهادنة دنيئة مع قيد المعصمين. فمن يقرر مصير هذا البكاء المأساوي الداخلي الذي ينهش الصدر؟ من هذا الذي يريدك ميت القلب والنخوة والرجولة، مصفوع الوجه اينما وليته في الجهات الاربع وما بينها، وفي اتجاهات البوصلة، مفعولاً بك اينما كنت، مفعولاً بتاريخك وحاضرك، مستقبلك بيد من يجلدك على حسابك الخاص ايضا. العربي البسيط من المحيط الى الخليج مدفون في الوحل، والنجدة التي ينتظرها تغوص بقربه باختيارها العجيب. تفرج.. مكتوب عليك، ومرغوم انت على فرجة الذبح، وتخطيط امرك، فما انت فاعل في المشهد المحكوم عليك ممارسته، مشهد ذهل ومشهد هوان ومشهد عجز قاتل. تفرج..حتى يصبح ثقب الرصاصة في جمجمة اخيك «نكتة» مدرة للضحك مدى الحياة. تفرج.. تبلد.. مت على المقعد الوثير او الحقير، فهو موت واحد!! تعتمل هذه المشاعر يوميا في صدر المواطن العربي البسيط، وفي كل لحظة تدك فيه جمجمة أخيه المواطن العربي البسيط!! من باعنا بهذا الثمن البخس؟