الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 تكثر النصائح في زماننا، تهطل عليك التوجيهات من كل حدب وصوب، من أفواه المذيعين في مذياع سيارتك، من لوحات الاعلانات، من صفحات الجرائد، من نجوم السينما والغناء، وحتى الراقصات لا يتوانين عن تقديم النصائح والارشادات، ولن ننسى دور المؤسسات والمسئولين الحكوميين في تقديم الكثير من النصائح والدعوات، لكن المشكلة ليست في كثرة النصائح، المشكلة ان الناس لا يريدون ان يسمعوا وبالتالي فهم لا يلتزمون بالرغم من اننا نردد بأن النصيحة كانت بجمل!! فيلسوف الصين الكبير كونفوشيوس يقول لنا باختصار: لماذا يشيح الناس بوجوههم عند سماع النصائح والتوجيهات، فهو الحكيم الذي ظل يردد طوال مسيرته الحافلة بالتجارب الانسانية عبارة : «اعرف مع من تتكلم» هذه النصيحة قدمها كونفوشيوس منذ 2450 سنة، اربع كلمات هي خلاصة نصف سنوات عمر هذا الحكيم التي قضاها متنقلاً بين المدن والبشر، يحمل افكاره، وينشر مبادئه وحكمته، وكان يردد «ليس المهم ان املك افكاراً عظيمة، الأهم ان املك القدرة على ان اذهب بهذه الافكار الى الآخرين، بسهولة وتأثير». هذا هو السبب اذن: الكلام والطريقة التي نتكلم بها مع الآخرين، وهو السر وراء استقرار الدول والحكومات وحياة الافراد والاسر. الحوار، فبالحوار نصمد ونستمر، وبانقطاعه وانعدام قنواته وآلياته تنهار حضارات، ودول وممالك وأسر!! نصف العالم يغلي، يقتل بعضه بعضاً، يعيش فيما يسميه أهل السياسة والاعلام: المناطق والنقاط الساخنة، واغلبها للاسف في العالم العربي، والثالث والنامي، حيث مئات الاحداث والحروب الاهلية والفتن والانقلابات والتوترات السياسية، وحيث لا كلام ولا حديث ولا تفاهم سوى صوت البنادق ولغة العنف وحديث المجازر والقتل، فكلما انعدم الحوار اتسعت فضاءات القمع والعنف، فإذا اقتنعنا بالحوار والكلام فإننا نمسك بأول الخيط الذي يؤسس حضارة الفعل والسلوك الانسانيين. يقول فيلسوف اليونان العظيم أرسطو: ان الحوار هو بداية الحضارة، ان نتحاور هو ان نفهم، وهو ان نتفق آخر الأمر على قرار واحد، وهدف واحد، وطريق واحد، وقد التقط كريستوفر كولومبس نصيحة أرسطو وذهب بواسطتها لاكتشاف أميركا، فرحلته بكل مخاطرها واستحالتها قد حدثت لانه استطاع أن يتكلم بعبارات دقيقة ومنتقاة اقنع بها 30 بحاراً، وملكة آمنت بكلامه فمولت مغامرته التي لم يتسلح لها بالجنون والاندفاع فقط، وانما ذهب للملكة وللرجال وجلس متحاوراً معهم بالعقل والورقة والقلم و .. الحلم!! اليوم هناك معاهد لتعلم الكلام في الكثير من دول العالم، قاعدتها الذهبية ان تعرف خصائص من تتكلم معه، ان تفهمه لكي تقنعه وتكسبه في نهاية الامر، فاذا لم تعرف كيف تفعل ذلك فلن تنجح في كسب من توجه له نصائحك، ولن يترك هو ما يفعله لاجل بضع كلمات تقولها دون قاعدة، ومن هنا نعرف السبب في عدم اقتناع مهووسي الرياضة بأهمية قضية الشرق الاوسط، فهؤلاء مقتنعون تماما بأن رونالدو هو الأهم، مثل مهووس الثقافة الذي يعتبر ان كتاباً جديداً لأدونيس او نجيب محفوظ اهم من المباراة النهائية في تصفيات كأس العالم!. فهل يستطيع احد او استطاع ان يقلب قناعات هؤلاء حتى الآن؟ هل استطاعت وزارات الصحة في العالم ان تقنع المدخنين بخطر التدخين؟ وهل استطاعت كل نصائح الآباء والامهات والمدارس ان تقنع الطلاب الصغار بعدم تناول البيبسي والكولا وساندويتشات الهامبورغر لانها اغذية مضرة بالصحة؟ وهل ..؟ الاسئلة كثيرة والنقاش جميل حول الكلام: قيمته وأسراره وأهميته، ولقد استمتعت كثيرا وأنا أقرأ كتاباً في هذا الموضوع كانت خلاصته الزاوية التي بين ايديكم، اما الكتاب فهو (كلام عن الكلام) الوصول للقمة يبدأ بالكلمة لمؤلفه: يسري الفخراني.