الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 حافظ الشيرازي.. رغم ما يفصلني عنه من أزمنة وقرون طوال إذ عاش وتوفي في القرن الثامن الهجري، أي ما بيني وبينه أكثر من ستة قرون، عاش في شيراز العاصمة الإسلامية لإيران لم أزرها، وقد لا أبلغها أبدا، لكنها من الأماكن التي تثير خيالي والسبب الاسم، أحيانا يكون لقوة الاسم القدرة على تجسيد واقع كامل في الخيال، لا يوجد مثله في الواقع، هكذا تستثير الأسماء مخيلتي، أسماء بلدان لم أرها، وطيور لم أعاينها، وبحار لم اخض لججها، وكواكب لن أصلها بالقطع. حافظ الشيرازي، لسان الغيب، ترجمان الأسرار كما يسمى في لغته، في أدب قومه، أحد الشعراء الذين تعلقت بهم منذ أن بدأ اهتمامي بالشعر الفارسي في سبعينيات القرن الماضي بعد أن قرأت بعضه مترجما إلى العربية، بل انني شرعت في فترة لاحقة، بعد تجاوزي الخمسين في تعلم الفارسية لأتذوق جماليات شعر الفردوسي وسعدي، والجامعي، وغافقي، والرودكي، ونظامي، وغيرهم، ما أوقفني شعوري بضيق الوقت المتاح، وكثرة ما ينبغي قيامي به، عدم اتقاني الفارسية من الأمور التي أندم عليها، خاصة بعد أن اقترنت معرفتي بالشعر المترجم إلى العربية بسماع الموسيقي التقليدية والموشحات الصوفية والأغاني والعزف على السانتور والطار والزرب. أقدم ما قرأته من الشعر الفارسي الملحمة الكبرى الشاهنامة للفردوسي التي ترجمها البنداري، وحقق الترجمة ونشرها في ثلاثينيات القرن الماضي الدكتور عبد الوهاب عزام، أحد رواد الدراسات الشرقية في الوطن العربي، وقد ظلت ترجمة الشاهنامة مفقودة من الأسواق، حتى أتيح لي إعادة اصدارها بالتصوير من دار سعاد الصباح للنشر في بداية التسعينيات من القرن الماضي، هكذا ساعدتني الظروف على أداء واجبي تجاه أثر عظيم من آثار الإنسانية. ثم عرفت «منطق الطير» لفريد الدين العطار في ترجمتين مختلفتين، الاولى أحمد ناجي القيسي، وطبعت بعد سنوات قليلة في بيروت، تعرفت أيضا إلى شاعر عظيم من شيراز أيضا وهو سعدي الذي اقام الشاعر الكويتي عبد العزيز البايطين دورة لإحياء ذكره، وتم خلالها ترجمة ديوانه وطبعه، لكن الحرص على تقديم الشعر موزونا كان له اثر على المعاني، وهذه قضية لم تحسم بعد، غير أنني أفضل ترجمة الشعر كمعنى، أي نثرا، لأن الحرص على وزنه يفقده الكثير ويوقفه. يمكن القول أنني سعيت إلى قراءة كافة ما ترجم إلى العربية، بل ألححت على أصدقاء أعزاء من العارفين بالأدب الفارسي لترجمة أعمال سمعنا بها ولم تترجم إلى لغتنا، أذكر منها «ديوان شمس تبريزي» لمولانا جلال الدين الرومي، الذي طلبت من الراحل الكريم الدكتور الدسوقي شتا ترجمته ونشره في جريدة «أخبار الأدب».وترجم بالفعل مايقرب من مئتي غزلية، لكن القدر لم يمهله. إذ لاقى وجه ربه قبل أن يتم ترجمة الديوان كاملا، ونأمل أن يقوم باكماله أحد طلابه. تعرفت على ديوان حافظ الشيرازي الذي يتضمن غزلياته من خلال نجيب محفوظ، بعد صدور «الحرافيش» لاحظت أنه ضمنها أبيات شعر باللغة الفارسية، ولم يقدم ترجمتها العربية، وكشف الاستاذ رجاء النقاش مصدرها في مقال جميل نشره بمجلة المصور. إنها ترجمة الدكتور أمين الشواربي، الصادرة في عام أربعة وأربعين من القرن الماضي بالقاهرة، في ذروة الحرب العالمية الثانية، في وقت عز فيه الورق الذي كان يستورد كله من أوروبا في ذلك الزمن العصيب كما قال الدكتور طه حسين في مقدمة الترجمة الرائعة، لقد أرسل العميد تلميذه إلى إنجلترا قبل الحرب خصيصا ليدرس الفارسية وتحديدا شعر حافظ،وهذا يقدم صورة متكاملة لطه حسين الذي يحلو للبعض اتهامه أنه كان يتجه إلى الثقافة اللاتينية الأوروبية فقط، بينما كان على المستويين النظري والعملي يؤمن بضرورة التواصل مع ثقافة الشرق مباشرة بدون وسيط أوروبي، أي أنه حاول كسر المركزية الأوروبية في الثقافة. سألت الأستاذ نجيب محفوظ أن يعيرني الغزليات. الطبعة قديمة وغير متوفرة، نجيب محفوظ لمن يعرفه لا يحتفظ في بيته بمكتبة كبيرة، عدد محدود جدا من الكتب. من بينها ديوان حافظ، أعارني إياه بشرط أن أعيده بأسرع وقت ممكن، بالفعل، لم يستغرق وقت الإعارة إلا الزمن الذي استغرقه تصوير المجلد، وأعدته على الفور. ظلت النسخة المصورة هي مرجعي الوحيد إلى أن أتيح لي اقتناء نسخة مطبوعة في طهران، مجلدة تجليدا فاخرا، إنها نفس الطبعة، مطبوعة بالتصوير على ورق سميك، فاخر، الناشر اسمه محسن رمضاني، والطبعة عام اثنين وستين هجرية بعد تمام القرن الثالث عشر، فيما بعد اقتنيت أكثر من طبعة للديوان، كما أعيدت طبعة الشواربي، القصائد العربية فقط بدون النصوص الفارسية في سلسلة شعبية عنوانها «آفاق الترجمة» تصدرها هيئة قصور الثقافة في مصر وقت إشراف الصديق الشاعر محمد عيد إبراهيم عليها. هذه الطبعة أصحبها معي في أسفاري إذ أنها سهلة الحمل والنقل، بعكس طبعات طهران التي يشبه كل مجلد منها قطعة اثاث صغيرة فاخرة. منذ أسابيع وصلني من الصديق، الشاعر العربي اللبناني محمد علي شمس الدين، ترجمة جديدة قام بها للغزليات، ولأول مرة أعرف أنه يتقن الفارسية، وقد نشرت الغزليات التي تكرم بإرسالها بخط يده، أي أنه قام بإبداع مواز للإبداع. قرأت ما قام به أولا بدون الرجوع إلى ترجمة الدكتور إبراهيم أمين الشواربي، والذي قدم لكل غزلية ترجمة نثرية، وأخرى موزونه مع النص الفارسي، وفي قراءاتي للغزليات أفضل المنثورة، ترجمة محمد علي شمس الدين مذهلة في التقاطها المعنى. والموسيقي الداخلية التي حولها إلى النص العربي. وعندما عدت لأقارن تملكتني حيرة، وحتى أشرك القراء معي أورد نصا لغزلية بترجمة الدكتور الشواربي، ونفس النص بترجمة الشاعر محمد علي شمس الدين الغزلية رقم مئة وسبعة وخمسين، ونلاحظ أن الدكتور الشواربي التزم ولم يضف عناوين، ترجم الغزليات تماما كما وصلت الينا من حافظ، يقول الشاعر : لقد أضحى عشقك أساسا.. للحيرة وأصبح وصلك كمالا.. للحيرة وما أكثر الغرقى في حال الوصل، الذين نزلت برؤوسهم في النهاية حال.. الحيرة فأرني قلبا واحدا استطاع أن يمضي في طريقه ولم يبد على وجهه حال.. الحيرة فلا الواصل ليبقى، ولا الوصال إذا ما بدا خيال. الحيرة وفي كل ناحية صرفت لها أذني جاءني صدى يرجع أسئلة.. الحيرة ولقد أزهو بكمال العزة ذلك الذي أقبل وعليه جلال.. الحيرة وحافظ من قمة رأسه إلى أخمص قدميه قد اصبح في العشق صيدا.. للحيرة أما صديقنا الشاعر محمد علي شمس الدين، فيترجم نفس الغزلية كما يلي، ويمنحها عنوانا من عنده «الحيرة» عشقي لجمالك أصل الحيرة ووصالك أصل كمال الحيرة ما أكثر غرقى حال الوصل الواصل فيك لحال الحيرة أرى في قلبا لم يأخذه الحال بحال الحيرة لا الواصل يبقي لا الوصل يدوم ولا يشفي منك مريض الحيرة وأضحت بسمعي لم أسمع في الأرض سوى ما يتلوه نداء الحيرة جاء صدى أسئلة تسألني عنك وعن معنى معنى الحيرة وأنا من قمة رأسي حتى أدنى قدمي أسير أسيرا فيك وفي أسر شباك الحيرة طبعا لو أعرف اللغة الفارسية لا مكنني المقارنة بالأصل، لكني ما وصلني من ترجمة الدكتور الشواربي أمتعني، وما وصلني من ترجمة محمد علي شمس الدين أطربني وأمتعني، لكن ما لا أوافق شاعرنا عليه إضافة بعض الأبيات العربية من الشعر إلى ترجمته لنصوص حافظ، صحيح أنه يشير إلى ذلك مرتين، مرة في مقدمته العميقة عن شاعرية حافظ ومرة في نهاية كل غزلية أضاف إليها، فالحفاظ على النص ضروري مهما اختلفت الترجمة، خاصة أن حافظ ليس شاعرا عاديا، إنه أحد القلائل الذين نفذوا إلى السر، ولذلك اطلقوا عليه «ترجمان الأسرار».