الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 صحيح ان الدول الواقعة في الجوار الجغرافي المباشر للعراق سوف تكون أكثر الاطراف تضررا من تداعيات حرب اميركية على العراق ولكن ربما يكون الأدق تعبيرا ان نقول ان الاطراف التي سوف تكون الاكثر تضررا على مدى أبعد لمرحلة ما بعد الحرب هي الدول النفطية عموماً داخل منطقة الشرق الأوسط وخارجها، فالهدف الاستراتيجي الكبير غير المعلن من وراء خطة الحرب الاميركية هي التحكم في امدادات النفط العالمية والأسعار بدوافع سياسية عن طريق السيطرة الكاملة على صناعة النفط العراقية.من حين لآخر يردد معلقون ومحللون عرب في وسائل الاعلام ان النفط هو هدف الحرب، وهذا صحيح بشهادة خبراء ومحللين اميركيين، لكن ماذا يعني هذا بالتحديد على الصعيد العملي؟ من الواضح الآن بعد شهور عديدة من التحضير الاميركي لضرب العراق ان الخطة تشتمل على ثلاث مراحل متتالية كالآتي: أولاً تدمير ما تبقى للعراق من قوة عسكرية، وثانياً اقامة نظام حكم جديد موالٍ للولايات المتحدة على رأسه عسكري أميركي يعتمد على قوة احتلالية، وثالثاً وضع اليد الأميركية على صناعة النفط العراقية، ويتبع ذلك اعادة تأهيل هذه الصناعة لينطلق الانتاج النفطي العراقي بأقصى معدلاته. ولادراك خطورة هذا الوضع يلزم أن نراجع بعض الارقام والحقائق العلمية المرتبطة بها. لنستذكر اولاً ان العراق كان قبل حرب تحرير الكويت في عام 1991 ثاني أكبر منتج نفطي بين أعضاء منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» لكن الحقيقة الأهم هي ان العراق صاحب أكبر احتياطيات نفطية في العالم بعد السعودية مباشرة، احتياطيات السعودية تبلغ 262 مليار برميل بينما تبلغ احتياطيات العراق 112 مليار برميل، علماً بأن الأراضي العراقية لم تستكشف بالكامل بعد. هذه الحقيقة هي التي سوف تتيح للولايات المتحدة وضعاً ابتزازياً خطيراً، لو أنها استطاعت تنفيذ سيناريو الحرب وما بعد الحرب بنجاح كامل من خلال التحكم التام في معدلات الانتاج النفطي العراقي وبالتالي في سوق النفط العالمية من حيث ضبط الامدادات العالمية والاسعار النفطية. لمدى أكثر من 40 عاماً منذ قيام «أوبك» التي تتكون غالبية عضويتها من دول عربية ظلت هذه المنظمة هي المتحكم الرئيسي في تجارة النفط العالمية وأسعاره عن طريق السيطرة على الامدادات، فعندما تتهابط أسعار النفط العالمية إلى مستوى يقترب بها من حالة انهيار سعري فإن وزراء أوبك يجتمعون للاتفاق بينهم على خفض معدلات الانتاج النفطية لدولهم بقدر معين فتعود الاسعار إلى الارتفاع التدريجي مع ازدياد العرض النفطي في السوق العالمية، وبالطبع يحدث العكس عندما تتصاعد اسعار النفط العالمية بجموح قد يدفع بالدول الصناعية المستوردة للنفط ان تخفض مشترياتها النفطية فتقرر دول أوبك في هذه الحالة رفع معدلات الانتاج لخفض الاسعار إلى مستوى معقول. واشنطن تريد الآن ان تنتزع لنفسها هذا الدور. لو نجحت الولايات المتحدة في وضع يدها على صناعة النفط العراقية فإن هذا سوف يكون معناه بداية النهاية لدول أوبك بفقدانها دورها التحكمي في سوق النفط العالمية. ان السيطرة الأميركية على الصناعة النفطية العراقية سوف تكون سلاحاً ازدواجياً في يد الولايات المتحدة، فمن ناحية تتمكن أميركا من الحصول على ما تحتاج من النفط المستورد بأسعار رخيصة، ومن ناحية أخرى تستطيع ان تستخدم النفط العراقي كسلاح سياسي ـ اقتصادي. كيف؟ عن طريق التحكم في معادلة العرض والطلب في سوق النفط العالمية، فبعد ان يعاد تأهيل صناعة النفط في العراق باعتباره من أكبر منتجي النفط في العالم فإنه سوف يكون بوسع الحكومة العميلة الجديدة في بغداد ان تعمد ـ بايعاز من واشنطن ـ إلى فتح صنابير النفط «على الآخر» بحيث تنشأ على الفور حالة فائض نفطي كبير في السوق العالمية يؤدي إلى هبوط حاد في الاسعار، لنقل مثلاً من مستوى 30 دولاراً للبرميل إلى مستوى 10 دولارات، وهكذا سوف تضمن الولايات المتحدة لنفسها وللعالم نفطاً رخيصاً بقدر ما يلائم اقتصادها. لكن هذا الوضع سوف يكون معناه ايضاً تدمير اقتصادات الدول المنتجة للنفط في منظمة أوبك وغالبيتها دول عربية في المغرب الجزائر وليبيا وفي المشرق أربع دول خليجية بالاضافة إلى إيران وروسيا باعتبار ان النفط هو العمود الفقري للاقتصاد الوطني في كل من هذه الدول. هذا الوضع الخطير سوف يجعل الولايات المتحدة اذن في موقف قوي يمكنها من ممارسة الابتزاز السياسي بكل أنواعه على دول العالم المنتجة للنفط. وغني عن القول ان قيام نظام حكم عميل في بغداد كنتيجة للحرب الأميركية سوف يكون معناه ان الأجندة ذات الأولية القصوى لهذا النظام العميل هي السماح لشركات النفط الاميركية لدخول العراق للمرة الأولى منذ تأميم صناعة النفط العراقية قبل نحو ثلاثين عاماً لتبدأ نشاطها في صناعة النفط العراقية في وضع احتكاري بالضرورة.