الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 تساءل الكثيرون حول ازدواجية المعايير في تعامل الولايات المتحدة مع قضية أسلحة الدمار الشامل في العراق عنها مع كوريا الشمالية، فرغم أن العراق استجابت لكل مطالب مجلس الأمن فيما يتعلق بفتح جميع منشأتها النووية وغير النووية للمفتشين الدوليين، وسمحت باستجواب علمائها واعلنت تخليها تماما عن برنامجها النووي وازالة ماتمتلكه من متعلقات هذا البرنامج، كما قبلت العراق ببرنامج مراقبة طويل الأمد لمنشآتها النووية، ورغم ذلك فلا يزال سيف الحرب الاميركية مسلطا على رقاب العراقيين، وتتوالى الحشود العسكرية الاميركية والبريطانية على المنطقة، ولن يمنع الولايات المتحدة عن شن الحرب ضد العراق سوى رحيل القيادة العراقية الحاكمة في بغداد طوعا عن العراق. هذا في حين أعلنت كوريا الشمالية تحديها الكامل للولايات المتحدة، فبعد أن أعلنت استئناف برنامجها النووي المجمد من قبل، وطردت ممثلي الوكالة الدولية للطاقة النووية، ونزعت كاميرات ومعدات المراقبة من منشآتها النووية، أكملت تحديها بأن اعلنت انسحابها من اتفاقية الحد من الانتشار النووي والتوسع في عقد صفقات بيع صواريخ سكود مع الدول الاخرى، ومعظمها من الشرق الأوسط تحديا للولايات المتحدة، كما رفضت بيونغ يانغ اخيرا عرضا اميركيا لتقديم مساعدات غذائية ووقود مقابل تجميد البرنامج النووي، واعتبرت ذلك خدعة لتجريدها من أسلحتها النووية، لاسيما بعد أن الغى الكونجرس مبلغ 75 مليون دولار كان مخصصا لكوريا الشمالية لتقديم مساعدات طاقة من خلال منظمة «كيدو» التي تشارك فيها اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة لامداد كوريا الشمالية بالوقود تحت اسم ترشيد استخدام الطاقة في كوريا، والتي تم انشائها بموجب اتفاق 1994 مع ادارة كلينتون الذي وقع في جنيف. أربعة أسباب أ ـ الحماية الصينية لكوريا الشمالية: تعتبر كوريا الشمالية من الدول القليلة في اسيا التي لا تزال تعتمد النظام الشيوعي للحكم فيها، بالاضافة الى الصين التي ترفض بدورها التخلي عن هذا النظام، وان كانت تسعى لترشيده بالانفتاح على الغرب مستفيدة من دروس تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وسقوط الشيوعية في بلدان أوروبا الشرقية. وإن كانت كوريا الشمالية رغم تمتعها بالحماية الصينية ترفض تطبيق الاصلاحات الصينية على نظامها الشيوعي، وتعتبر ذلك بداية لسلسلة من التنازلات الايديولوجية أشبه بـ «البروسترويكا» التي ابتدعها جورباتشوف في الاتحاد السوفييتي السابق تحت اسم الاصلاحات، وادت في النهاية الى تفكك الاتحاد السوفييتي واضعاف روسيا والحاقها بالقطار الاميركي الا ان الصين من جانبها، ورغم حرصها على علاقاتها مع الولايات المتحدة بالنظر لمصالح اقتصادية معروفة، تحرص في ذات الوقت على النظام الشيوعي القائم في بيونغ يانغ وتعتبره امتدادا لها في ذات الوقت الذي تسعى فيه لتليينه حتى يتواكب مع المتغيرات الاقليمية الدولية الجارية في العالم. وفي ذلك تتعاون بكين مع موسكو للضغط على بيونغ يانغ لتجميد برنامجها النووي والتخلي عن برنامج صواريخها (تاييودنج - 2) وذلك حتى يمكن تحجيم الاصوات الاميركية الداعية لنشر شبكة الدفاع الصاروخي الاميركي حخ في اسيا لمواجهة التهديدات الصاروخية المحتملة من قبل كوريا الشمالية. ب - صاروخ (تايبودنج -2) يطول المدن الاميركية: عندما أجرت كوريا الشمالية تجربتها على الصاروخ (تايبودنج - 1) - 2000 كم - في أغسطس 1998، ونجح في عبور الاجواء اليابانية وسقط عند الهدف المخطط له شرق اليابان، سبب ازعاجا شديدا لليابان وللولايات المتحدة ايضا. حيث يعني ذلك ان الصاروخ القادم (تاييودنج - 2) 4000 - 6700كم القادر على حمل رؤوس نووية وكيميائية وبيولوجية والذي نجحت تجربته معمليا يمكنه أن يقصف ليس فقط جزيرة هاواي ولكن أيضا مدن الساحل الغربي للولايات المتحدة في ولاية كليفورنيا مثل لوس انجلوس، وسان فرانسيسكو، ولونج بيتش، وسانت كروز، لذلك سارعت ادارة كلينتون الى استرضاء بيونغ يانغ عارضة مساعدات اقتصادية وغذائية ووقود في مقابل ايقاف تجاربها الصاروخية، وقد نجحت في ذلك حتى الآن، الا ان ادارة بوش بايقافها المفاوضات التي كانت جارية مع كوريا الشمالية بشأن انشاء مفاعلين نوويين يعملان بالماء الخفيف، وايقافها ايضا امدادات الوقود التي كانت تحصل عليها كوريا الشمالية من خلال منظمة (كيود) وتبلغ نصف مليون طن وقود سنويا، دفعت بيونغ يانغ الى تبني الموقف السياسي الأخير. فإذا مااستمرت الاخيرة في مشوار تحديها للولايات المتحدة، واستأنفت تجاربها الصاروخية على (تايبودنج - 2) فأن ذلك سيشكل تهديدا أمنيا خطيرا للولايات المتحدة في عقر دارها، وهو الأمر الذي دفع ادارة بوش أخيرا الى الاسراع في نشر صواريخها المضادة للصواريخ في ولاية ألاسكا في اطار برنامج الدفاع الوطني الصاروخي NMD، لتكون جاهزة للتصدي للصواريخ الكورية في حالة تصعيد الموقف. ولم تكتف الولايات المتحدة بذلك، بل نجدها تساعد كل من اليابان وكوريا الجنوبية في نشر شبكات من الصواريخ المضادة للصواريخ المخصصة للدفاع عن مسرح العمليات HAA لمواجهة تهديدات الصواريخ الكورية. ج- موقف كوريا الجنوبية، واليابان، وروسيا: تعتبر اعادة الوحدة بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية احد ثلاث أهداف قومية تتمسك بها بيونغ يانغ بجانب المحافظة على النظام الشيوعي القائم، وفتح علاقات واسعة مع دول العالم للتعامل معها باعتبارها الممثل الحقيقي للأمة الكورية. ولأن كوريا الجنوبية تدرك تماما خطورة التهديد العسكري الذي تشكله كوريا الشمالية. ضدها بالنظر لما تمتلكه الأخيرة من ترسانة ضخمة سواء في الأسلحة التقليدية أو الوق تقليدية (1.2 مليون جندي في كوريا الشمالية مقابل 633 ألف جندي في كوريا الجنوبية)، وحيث يعتبر جيش كوريا الشمالية رابع أكبر جيش في العالم من حيث الحجم بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين، فإذا أضفنا الى ذلك أن عاصمة كوريا الجنوبية (سيول) تقع على مدى 60 كم من كوريا الشمالية، وهو مايجعلها في مدى مدفعية كوريا الشمالية فضلا عن صواريخها، لأمكننا ان ندرك حجم التهديد الذي تشكله كوريا الشمالية بجارتها الجنوبية. وهو مايدفع الأخيرة الى تجنب اثارة التوترات معها سواء عبر الاحتكاكات المباشرة التي تقع بين حين واخر في مناطق الحدود البرية والمائية، أو من خلال الولايات المتحدة كالأزمة الاخيرة، وتشجيع كوريا الشمالية على الدخول في حوار متواصل معها حتى يمكن ازالة التهديد العسكري المتمثل في نصف مليون جندي كوري و11 ألف ماسورة مدفعية وراجمة صواريخ من كوريا الشمالية منتشرين قرب خط النار يمكنهم اجتياح كوريا الجنوبية بسهولة وفي زمن قياسي، واغرائها بزيادة حجم التجارة والاستثمارات والاتصالات والعلاقات الإنسانية، والسعي نحو تحديثها وتطويرها اقتصاديا واجتماعيا، وتضييق الفجوة الاقتصادية والثقافية بين البلدين، وبما يمهد للوحدة بينهما تحت زعامة كوريا الجنوبية، لذلك جاءت اجتماعات القمة الأخيرة بين زعيمي الدولتين في يوليو 2000 تعبيرا عن هذا التوجه من قبل كوريا الجنوبية، الأمر الذي أسفر عن تباين بين موقف الولايات المتحدة وبين موقف كوريا الجنوبية تجاه التعامل مع كوريا الشمالية، سواء فيما يتعلق بنشر عناصر من شبكة الدفاع الصاروخي الاميركي في كوريا الجنوبية، أو فيما يتعلق بالموقف الاميركي الأخير ازاء البرنامج النووي والصاروخي لكوريا الشمالية، حيث تفضل سيول أسلوب التفاوض لنزع فتيل الأزمات، باعتباره الأسلوب الأمثل لمواجهة التهديد الكوري الشمالي، يشارك سيول في هذا الموقف كل من طوكيو وموسكو، حيث يرفضون التهديدات الاميركية لكوريا الشمالية. د - فشل الردع الاميركي في التعامل مع كوريا الشمالية: من المؤكد أن القوة العسكرية الاميركية تستطيع أن تردع كوريا الشمالية حتى مع حصولها على السلاح النووي. فقد استطاعت ان تردع الاتحاد السوفييتي الذي كان مسلحا بآلاف الأسلحة النووية خلال فترة الحرب الباردة، وقد تكون الولايات المتحدة قد نجحت حتى اليوم في ردع كوريا الشمالية عن الاعتداء على جارتها الجنوبية، الا ان الردع الاميركي لم يحل دون بيونغ يانغ وتنشيط وتوسيع برنامجها النووي، ورغم الاغراءات التي مارستها ادارة كلينتون الا انها لم تنجح في اقناع كوريا الشمالية بالتخلي نهائيا عن برنامجها النووي والصاروخي، لذلك لم يكن غريبا أن يهدد القادة الكوريون في الأزمة الأخيرة الولايات المتحدة بتحويل اميركا الى (بحر من النيران) اذا ماتعرضت سيادة كوريا الشمالية للتهديد، وانها ستدافع عن نفسها اذا مافرضت عليها عقوبات، كما هددوا بقصف وتدمير ثلاث مدن اميركية (واشنطن ونيويورك وشيكاغو). ولقد انعكس فشل الردع الاميركي في قبول واشنطن لسياسة الابتزاز التي فرضتها عليها بيونغ يانغ، فمن أجل توقيع الأخيرة على اتفاقية الحد من الانتشار النووي سحبت الولايات المتحدة صواريخها النووية من كوريا الجنوبية، ومن أجل فتح المنشآت النووية الكورية امام وكالة الطاقة الدولية حصلت بيونغ يانغ على 200 مليون دولار نقدا من واشنطن، ولكي توقع كوريا الشمالية اتفاقية الحد من الانتشار النووي أوقفت اميركا مناورات (روح الفريق) مع كوريا الجنوبية، ولكي توقف كوريا الشمالية صادراتها من الصواريخ سكود طالبت واشنطن بدفع 500 مليون دولار، وهو مايعادل عائد تصدير انتاجها من الصواريخ سكود لمدة خمس سنوات، باعتبار كوريا الشمالية تنتج 100 صاروخ سنويا، وتبيع الواحد منها بمليون دولار ثم جاءت اتفاقية جنيف عام 1994 مع ادارة كلينتون تتويجا لسياسة الابتزاز التي نجحت كوريا الشمالية في ممارستها، اذ نصت هذه الاتفاقية على مساعدات في مجال الطاقة تحصل عليها كوريا الشمالية قيمتها 5 مليار دولار. تشارك فيها اليابان وكوريا الجنوبية بجانب الولايات المتحدة. رؤية مستقبلية من المتوقع انه مع استئناف كوريا الشمالية برنامجها النووي بمعدله الأقصى، واذا ماأدخلت ثلاث مفاعلات نووية مجمدة الى الخدمة خلال السنوات المقبلة، أن تتمكن كوريا الشمالية من انتاج 275 كجم بلوتونيوم 239 وهو مايعني القدرة على تصنيع حوالي 45 قنبلة نووية عيارية (20 كيلو طن)، باعتبار ان القنبلة الوحدة من هذا العيار تحتاج الى 6 - 8 كجم بلوتونيوم، واضعين في الاعتبار ان تشغيل محطة واحدة بطاقة 5 ميجاوات في مجمع (يونغبيون) النووي سينتج 6 كجم سنويا من البلوتونيوم، وان اعادة تشغيله ستحتاج الى مابين شهر وشهرين. فإذا مااقترن ذلك باجراء تجربة ميدانية على الصاروخ (تابيودنج - 2)، وقدرة كوريا الشمالية على تسليح هذا الصاروخ برأس نووية قدرتها تتراوح مابين 5 - 10 كيلو طن، فإن حجم التهديد الذي ستواجهه الولايات المتحدة في مدنها بالساحل الغربي سيكون خطيرا اذا مامضت في سياستها الاستفزازية تجاه كوريا الشمالية برفض امدادها بالوقود، وحاصرت موانيها، وصادرت شحنات صادرتها من الصواريخ الى الدول الاخرى. ورغم ان الولايات المتحدة رفضت عودة كوريا الشمالية لتوقيع معاهدة عدم اعتداء معها كشرط لانهاء برنامجها النووي، واصرت في المقابل على ايقاف كوريا الشمالية لتخصيب اليورانيوم وتفكيك برنامجها النووي، الا ان كوريا الشمالية من المتوقع ان تعمل بأسلوب التصعيد المحسوب من أجل لفت انتباه اميركا واليابان وكوريا الجنوبية الى المخاطر المترتبة على عدم الاستجابة لمطالب كوريا الاقتصادية لاسيما من الغذاء والطاقة، وحتى تعود واشنطن الى العمل باتفاقية 1994، وهو مايتوقع ان تستجيب له واشنطن ويكون في اطار كونسرتيوم جديد تشارك فيه الصين وروسيا لتمويل بناء محطات طاقة حرارية تعمل بالماء بالخفيف، ولكن لن تتخلى بيونغ يانغ نهائيا عن برنامجها النووي، وفي أفضل الحالات ستجمده فقط الا أن فريق (الصقور) المتشددين في واشنطن يحثون بوش على تبني خيارات متشددة مع بيونغ يانغ، ويتبع أسلوب أكل (الخرشوفة) في نزع أوراقها بالتتالي باتباع أساليب الحصار والعقوبات الاقتصادية، ومصادرة شحنات صادرات الصواريخ، وتأمين كوريا الجنوبية واليابان بنشر بطاريات صواريخ مضادة للصواريخ فيهما، وممارسة أقصى الضغوط السياسية والاقتصادية على كوريا الشمالية وهو مايمكن ان يضع الولايات المتحدة على خط المواجهة مع الصين وروسيا، كما لن تجد ترحيبا بهذه السياسة من حلفائها في اليابان وكوريا الجنوبية. ـ خبير استراتيجي مصري