الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 اختلطت الدماء والاشلاء بالثلوج البيضاء فحولتها الى صورة مرعبة ومخيفة، بعد معركة دموية بالخناجر والسيوف والفئوس خاضتها عصابة «الأصليون»، وهم الاميركيون البروتستانت الذين ولدوا في نيويورك، وعصابة «الأرانب الميتة» وهم من المهاجرين الايرلنديين والهولنديين الذين وفدوا على المدينة بداية القرن التاسع عشر. هذه هي المشاهد الاولى للفيلم الأميركي الجديد «عصابات نيويورك» للمخرج الأميركي الشهير مارتن سكورسيزي مخرج «سائق التاكسي» احد اشهر الافلام التي قدمتها هوليوود خلال السنوات الماضية، ويتميز سكورسيزي ـ كما يقول النقاد ـ بقدرته البارعة من خلال ما يقدم من أفلام على سبر غور المجتمع الأميركي وتقديم صورة داخلية عميقة للعقلية الاميركية من خلال اسقاطات واضحة سواء في السيناريو الذي عادة ما يشارك في صياغته أو اداء الممثلين البارع. ورغم اني لا ادخل السينما الا نادرا لأني لا اجد الوقت لذلك، لكن الحملة الضخمة المصاحبة للفيلم الذي كلف انتاجه مئة مليون دولار والذي بدأ عرضه في لندن في الثامن من يناير الجاري دفعتني لتدبير وقت لمشاهدة الفيلم الذي يقترب عرضه من ثلاث ساعات، نجح مخرج الفيلم من خلال بناء استوديو ضخم يعكس صورة المدينة آنذاك مع مؤثرات صوتية عالية، وتقنيات فنية رفيعة في ان يجعل المشاهد وكأنه يعيش هذا الوقت في نيويورك بالفعل بين عامي 1846 و1863. قصة الفيلم باختصار تدور حول الصراع الذي نشأ بين عصابتي «الاصليين» و«المهاجرين» في حي «النقاط الخمس» في نيويورك عام 1846، حيث يقوم الممثل الايرلندي البارع دانيال داي لويس ـ الذي يدعى في الفيلم بيل الجزار زعيم العصابة الأولى والذي تقمص دوره بشكل بارع ـ بقتل والد النجم الشاب ليوناردو دي كابريو زعيم العصابة الثانية ـ والذي يدعى في الفيلم امستردام ـ امام عينيه وهو طفل صغير، حيث يختفي امستردام ويعود بعد 16 عاما لينتقم لأبيه عبر الحوز على ثقة قاتله بيل الجزار الذي اصبح نفوذه كبيرا بعد انتقال معظم افراد عصابة المهاجرين ليكونوا تحت إمرته، وينجح امستردام في قتل الجزار نهاية الفيلم عبر سلسلة طويلة من التفصيلات والاحداث. كثير من النقاد رأوا القصة بسيطة لكن آخرين لم يقفوا عند القصة بقدر ما وقفوا عند الايحاءات الكثيرة التي ملأ بها سكورسيزي الفيلم، فالمشاهد الدموية الرهيبة التي ملأت الفيلم عبر حوارات مليئة بالانتقام والتشفي وعدم الانسانية تعكس الاسلوب الذي كونت به نيويورك، ومن ثم العقلية الاميركية وكيف تفكر، كما ان العلاقة التي ربطت الجزار زعيم العصابة مع شريف المدينة، تعكس ايضا كيف تدار اجهزة الحكم وطبيعة العلاقة بين من يحكم الدولة وبين من يحكم الشارع، كما ان الاسلوب الذي دارت به الحملة الانتخابية آنذاك كشف ايضا حجم التلاعب الذي يدور وراء الكواليس، ليس اليوم فقط وانما كأسلوب بنيت عليه العملية الانتخابية في الولايات المتحدة. وكان هناك اسقاط مباشر على الانتخابات الرئاسية الاخيرة حينما قال احدهم للاخر «المهم ليس هو الانتخابات وانما احصاء الأصوات». فولادة الدولة كانت دموية، والعملية الانتخابية قائمة على التحالفات غير النظيفة، ونفوذ العصابات، ومشاهد المجندين الاجباريين للحرب الاهلية والنعوش التي كانت تأتي بها السفن للقتلى تبين جانبا من العقلية التي لا تستريح دون دماء وقتل وخراب وحرب وموت. ودفع المهاجرين الايرلنديين آنذاك ليكونوا هم وقود الحرب الأهلية، يعكس ايضا نوعية الجنود الذين يحشدون في الحروب الأميركية وكيف ان معظم الذين يحشدون هؤلاء للحرب الآن اما هربوا من اداء الخدمة العسكرية أو لم يؤدوها، ونادرا ما يشارك ابناؤهم فيها. حينما جاء الجزار بامستردام ليعلمه كيف يطعن في مقتل ويدله على المواطن القاتلة في جسد الذبيحة ويطلب منه ان يؤدي الدور فأداه ببراعة عكس فيها التفكير الدموي في تصفية الاخر دون رحمة، وهذا ما فعله الجزار بداية الفيلم وهو يجهز بالخنجر على «ليام نيسون» والد امستردام امام عينه وهو طفل صغير. اما الخطب التي كان يلقيها زعيم كل عصابة فانها لا تختلف كثيرا عما يردده بعض السياسيين او العسكريين الاميركيين، ففي الاسبوع الماضي وبعد مشاهدتي للفيلم مباشرة شاهدت فيرن كلارك رئيس عمليات البحرية الاميركية يقول امام عدسات التلفزة العالمية موجها كلامه لبعض قواته المتجهة للخليج «اضربوا بقوة وبسرعة وباحكام، دعوا العالم يرى حدثا جديدا لم يره من قبل، دعوه يرى اننا أمة مستعدة بلا هوادة لقتال كل عدو تسول له نفسه تدمير حياتنا». لقد حرص سكورسيزي على ان تكون اسقاطاته واضحة في الفيلم واصر على ان يضع برجي مركز التجارة العالمي في صورة ايحائية في نهاية الفيلم، وان يقف معارضا للحرب التي تريد الولايات المتحدة شنها ضد العراق، وحرص على أن يعرض فيلمه في هذا الوقت.. ليقول القليل من الكثير الذي تقوم به «عصابات نيويورك». ـ كاتب وإعلامي مصري