الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 إقليم الشرق الأوسط إقليم منقسم على نفسه، واجتماع اسطنبول الأخير يؤكد على ذلك ولا ينفيه. في أضابير التاريخ تعثر على وثائق من الأرشيف البريطاني تشير إلي تخوف من علاقات ايجابية بين أطراف هذا الإقليم الفاعلة، وهو تخوف حقيقي يبرز بوضوح في أوراق الإمبراطورية البريطانية في الثلث الأول من القرن الماضي. وقتها كان الخوف من اتفاق سعودي (بقيادة المرحوم الملك عبد العزيز) وإيراني بقيادة رضا شاه، وتركي بقيادة الذئب الأغبر مصطفى كمال أتاتورك، قد يؤدي إلى تحالف إقليمي يخرج النفوذ البريطاني من المنطقة، ويقف سدا ضد أي نفوذ آخر، وكانت القيادة في هذه البلدان تفكر في تعاون بينها، يقود فكرته وقتها المرحوم الملك عبد العزيز بن سعود، وافسد هذا التحرك الإقليمي التدخل الغربي المضاد والنشط. ومن يومها لم تقم للإقليم المهم هذا أية أنشطة تعاونية فيما بين دوله، بل كان التعاون بين بعض دوله، أما تحت المظلة الغربية مثل الأحلاف التي نشأت لخدمة تلك المظلة، أو التنافر الذي قاد إلى أشكال من الصراع النشط كالحرب، أو الخامل كالتنافر في السياسات. اليوم لم تعد تركيا كما كانت، فلديها مشاغلها التي تركز على اولويات الدخول في النادي الأوروبي، والذي تعتقد انه سبيلها لحل المشكلات الاقتصادية المزمنة، كما أن إيران لها مشكلاتها الإيديولوجية والسياسية، وتبقى الدول العربية المحيطة والقريبة من العراق والتي يبدو أن ليس لها موقف موحد مما يجري، على الأقل لما بعد اليوم الأول، أي بعد تغيير النظام القائم، وقد شاركت في الاجتماع دون أجندة خاصة بها. سؤال المليون من الملاحظ أن بيان الدول الست رقص على السلم، فهو لم يرض العراق، لذا لم تأت عليه في وسائل أعلامها ولم يرض المعارضة العراقية ( عراق المستقبل) ولم يرض أيضا الولايات المتحدة، قد يكون ذلك فاتحة خير بصورة من الصور، فهو حيادي اذن، ولكن بعض التصريحات التي أعقبت الاجتماع بينت بلا جدال أن الدول منفردة لها أفكارها الخاصة بها، وأنها ( ضد الحرب ولكن لا تستطيع أن تقف أمام الماكينة الاميركية) في نفس الوقت، التي يبدو أنها سوف تستغني حتى عن ( أوروبا القديمة) فرنسا وألمانيا، فتحالفاتها الأخرى تغنيها، وتُدعى المعارضة العراقية للمحافل الدولية، كمقدمة للاعتراف بها. التركيز الأهم هو إيجاد سبل لمنع الحرب، وهو هدف لا يستطيع عاقل إلا أن ينسجم معه، فالحرب تخلف أهوالا قد نتوقع بعض نتائجها اليوم، وقد لا نستطيع توقع نتائجها الأخرى، وقد خضنا في هذه المنطقة سلسلة من الحروب الضروس، ولا يوجد عاقل إلا ويتمنى أن لا تقع، ولكن التمني شيء، والواقع شيء آخر، فحتى بيان الدول الست في اسطنبول شدد على أن يقوم العراق (بالتحرك بجدية وبصدق نحو الاضطلاع بمسئولياته في استعادة السلام والاستقرار في المنطقة) وفي ( بدء سياسة تجلب الثقة بلا أية مواربة مع جيرانه) وكذلك (اتخاذ خطوات حاسمة إزاء الوفاق الوطني)مع مواطنيه. كل ذلك جميل ويضع الكرة في التشبيه العام في ملعب القيادة العراقية، ولكنها في واد آخر، فلو كانت من هذا الوادي لما وصلت إلى هذا المنعطف الحرج. تجنب الأسوأ بحرب أو بغير حرب يبدو أن التغيير في العراق وارد، بدون حرب أضراره اقل، بحرب أضراره على العراق والمنطقة اكبر من أن تحسب نتائجها اليوم. إلا أن الأمر الآخر هو ماذا بعد اليوم الأول، أي ماذا بعد تغير النظام في بغداد؟ ذلك السؤال الذي يطلق عليه سؤال المليون دولار أو يزيد لان أجابته ضرب من التمني أكثر مما هي حساب الواقع. هل يعوض العراقيون بإقامة نظام ديمقراطي بشكل ما وتعددي وشفاف، يسوده حكم القانون، في التاريخ السابق للتدخل من قبل الولايات المتحدة، نجد أن نسبة الفشل في إقامة مثل هذا النظام تفوق نسبة النجاح، فقد تدخلت الولايات المتحدة الاميركية في العالم في القرن الماضي في حوالي ثمانية عشر بلدا، نجحت في خمسة منها في إقامة (نظام ديمقراطي حديث) أي أن نسبة النجاح لا تتعدى ثلاثين في المئة، وإذا إستعرضنا المجتمعات التي نجحت الولايات المتحدة في إقامة حكم (ديمقراطي حديث فيها) سوف نجد أن لها مواصفات معينه، فهي أولا أوربية أو شبة أوروبية، منها ايطاليا وألمانيا و اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ومنها اثنان في اميركا اللاتينية، هما بنما (دولة صغيرة) وجرينيداد (جزيرة صغيرة) البلاد الكبيرة التي بنيت فيها الديمقراطية هي بلاد تتمتع إلى حد ما بوجود مؤسسات سابقة على ذلك التدخل، كان بالامكان تعضيدها ومساعدتها، ظهر ذلك في كل من ايطاليا و اليابان وألمانيا. في بقية الدول التي تدخلت فيها الولايات المتحدة، استطاعت أن تزيل الأنظمة المستبدة دون أن تنجح في أن تقيم بديلا عنها أنظمة ( ديمقراطية)، حدث ذلك في كوبا وجمهورية الدومنيكان، وهايتي ونيكارجوا وجواتيمالا، ورغم التدخل المتكرر في بعضها، مع وجود عسكري اميركي طويل زمنا، في الغالب الفشل في إقامة حكم ديمقراطي كان مرادفا للتدخل، ففي أوائل القرن العشرين بقيت القوات الاميركية في هايتي تسع عشرة سنة، وفي نيكارجوا أربع وعشرين سنة، وفي كلتا الحالتين جهود الولايات المتحدة فشلت في إقامة حكم حديث. وفي أفغانستان مازالت التجربة ساخنة، نجحت في تجنب الاسوأ، وهي حرب أهلية، إلا أن الخيط الأبيض من الخيط الأسود لم يتبين بعد في إقامة دولة وبناء مؤسسات. في العراق الإطاحة بالنظام الحالي لا تعني تلقائيا أقامة حكم ديمقراطي حديث، ذلك سوف يعتمد على العراقيين أنفسهم، بعد كل ما قاسوه من سوءات النظام الشمولي، إلا أن الدول المحيطة بالعراق اهتمت بمحاولة ترشيد النظام القائم، وتقديم النصائح المغلظة له، والتي تعرف قبل غيرها انه ليس في وادى السماع لنصائحها، وأهملت بشكل كبير قطاعات الشعب العراقي وممثليه، وهو الشعب الذي ليس مثل مواطنيه في الديسبورا عددا غير الفلسطينيين. السيناريو المستحيل إغفال الشعب العراقي وممثليه في المعارضة يؤسس إلى مشكلات قادمة في المنطقة، فهو لن يرى بعين الرضا في المستقبل اولئك الذين تجاهلوا مصالحه في سبيل أرضاء النظام، حتى ولو كان ذلك اتقاء لشره، وهو أمر من الضروري طرحه على متخذي القرار في الدول المحيطة بالعراق، لأنها مضطرة أن تتفاعل مع أي نظام قادم، والذي ستكون المعارضة الحالية جزء ربما كبير منه، وان لم تكن كذلك، سيكون لها في المستقبل إذاعاتها وصحفها ومحطاتها التلفزيونية الدولية. لو قدرنا جدلا النظر في سيناريو مستحيل، وهو أن تنقضي الأشهر القليلة المقبلة دون تغيير النظام في العراق، وأن هذه الجيوش الجرارة عادت إلى مواقعها في بلدانها، ماذا يمكن أن يحدث، بالتأكيد ليس استقرارا إقليميا، فالنظام العراقي لن يعتبر ذلك إلا نصرا مؤزرا لكل اطروحاته القديمة، كما سينظر لأي البلدان التي اضطر تحت ضغط الظروف أن يسترضيها بالمال والتجارة والنفط أنها قامت ( بابتزازه) فهو بالتأكيد سيفكر في طرق عديدة للانتقام. اذن ليس بالضرورة أن بقاء النظام العراقي سيقود لأي استقرار في المنطقة، بل ربما على العكس من ذلك، سيقود إلى اضطراب شديد، قد يكون اقل منه خطورة تغيير النظام في الظرف الحالي، والتفاعل الجدي مع ممثلي المعارضة بكل أطيافها يضمن الاستقرار المطلوب في المستقبل. ـ كاتب كويتي