الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 لم تنته الفعاليات الثقافية المصاحبة للمهرجان بعد لكن ثمة ملاحظة جديرة بالتسجيل ألتقطها من خلال مشاركتي في تقديم اكثر من دورة خلال هذا المهرجان، اضافة الى ما سجلته عن كثب من خلال المهرجانات السابقة التي سعدت بالمشاركة بها، واود تسجيلها بكل فخر واعتزاز اليوم لأدير معكم نقاشا هادئاً لا تنقصه الصراحة، ولا تنقصه الرغبة في استثمار المؤشرات الايجابية التي تتابع ظهورها هذا العام وطيلة الاعوام المنصرمة. من هذه المؤشرات حرص الفئة المثقفة على الحضور والتفاعل مع هذه البرامج، وعن تجربة كانت نسبة حضور المثقفات في هذه البرامج تساوي 100% من مجموع عدد المشاركات، في حين انتفى حضور غير المثقفات في هذه البرامج، وهو مؤشر يدل بوضوح على تنامي الوعي لدى الطبقة المتعلمة التي لم تكتف بمعلوماتها الشخصية حتى تضيف الى رصيدها الجديد الذي يضمن لها مستوى من الخبرة العلمية التي تؤهلها للتميز في ادائها لادوارها المختلفة. ولقد اكدت غالبية المشاركات في مرات مختلفة انهن جميعا على تواصل مع كافة الجهات التي تشرف على مثل هذه البرامج لكي لا يفوتهن من مائدة المعرفة صنف قد لا يتاح لهن الحصول عليه في وقت قريب!! هذا الحماس الشديد لاستثمار الوقت، وتطوير الذات ينبغي ألاّ يمر مرور الكرام على كافة المؤسسات الاعلامية والثقافية والتربوية التي تشتغل بقضايا الثقافة، وتعنى بتكوين جسر معرفي يربط بين انشطتها وبين الجمهور. وفي كل مرة يؤكد الجمهور انه واع وانه حريص على اغتنام الفرص، والتفاعل مع الجيّد من الاعمال، لكن ما يؤسف له هو الشح والندرة في مثل هذه النوعية من البرامج مقابل العروض الضعيفة التي لا تحمل رسالة هادفة، ولا مضمونا فيه خدمة المجتمع اللهم سوى تقديم المزيد مما يلهي الجمهور ويصرفهم عن الوعي والشعور بخطورة ان يتسرب العمر من بين يدي الفرد وهو يواصل ليله ونهاره في لهو لا اول له ولا آخر ،وفي فراغ هائل يملأ جنبات عقله، ويدمر روحه ويفقده معرفة الطريق، ويهمش دوره في الحياة، ويجعل منه فرداً زائداً على الدنيا لا مضيفا اليها، يجهل كيف يحدد لنفسه هدفاً يستحق ان يبذل له عمره وجهده. يركب كل موجة، ويسير مع الناس حيث ساروا. امثال هذا الفرد كثيرون في امتنا، والذي ادى بهم الى مثل هذا الخلط في الرؤى والتصور لنمط الحياة الذي يؤدي الى الشعور بالسعادة والطمأنينة هو شح برامج التوعية التي تتبنى فكرة «ما ينفع الناس» هذه البرامج من طبيعتها انها تمتلك القدرة على جذب الناس الى دروب الخير، واكسابهم مهارة الدفاع عن القناعات وسط تعدد الخيارات، وتغذي لديهم الطموح في المزيد من الانجاز. فالضحالة في كثير من الاعمال المعروضة اعلامياً ومن خلال العديد من الواجهات الثقافية هي سمة غالبة على مجمل ما يتلقاه المشاهد البسيط الذي يبحث عن اي شيء يملأ عليه ساعات الفراغ ويشعره ببعض المتعة حتى لو كانت متعة مصطنعة لا ثمر وراءها ولا طائل منها. وكلما علا الزبد، وكثر الران، وانتشرت ثقافة الفرجة، وعلت البهرجة، واصغى الناس للضجيج على حساب الصوت الناصح فان الاحساس بالحماس سينخفض في مجمل الانشطة الانسانية اسرية كانت ام مجتمعية. وفي حين نحذر اشد الحذر من استمرار العروض الهزيلة فان نسائم من الشعور بالسرور والراحة تغمر نفوسنا كلما التقينا بفئات تغار على وقتها، وعملها، وتفتش ليل نهار عما يزيدها ثقة بنفسها، وبما لديها من قابلية للتطور والنمو. هؤلاء هم من يجب ان يحتفى بهم لانهم يحتفون بالحياة على الطريقة الصحيحة. هؤلاء وامثالهم ـ وهم كثر ولله الحمد ـ وحدهم من يحسنون انتقاء الخيارات الطموحة، ومن يعرفون كيف يديرون ذواتهم بنجاح وفاعلية. هذا الجمهور الذي يعول على فهمه الكثير، ويرجى من ورائه الاثر الجميل، اين من يرعاه، ويلبي حاجاته الجديرة بالاستجابة والقبول؟! اين من يحترم عقله الكبير، ونفسه المتشوقة للمعرفة، وعزمه على الوصول الى القمة والتميز والقوة في الوعي والضمير؟! مثل هذا الجمهور الإعراض عنه يمثل خسارة فادحة للمجتمع، والاصرار على عدم الاصغاء لصوته يعني ان واجهاتنا الثقافية والاعلامية في مجمل انشطتها ستظل تخاصمه على المدى الطويل فيما يشكل ظاهرة سلبية ينبغي مقاومتها، والسيطرة عليها قبل فوات الأوان.