الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 عندما تتوفر في الانسان الشجاعة والعزيمة وقوة الارادة والثقة بالنفس، تهون اية صعاب يواجهها في حياته، ويسهل عليه قهر المشاكل مهما كانت. وقد عايشت نموذجاً يدعو للاعجاب وتمثل في شاب من الامارات يعمل في مهنة هامة. وكان قد تقدم للالتحاق بإحدى الدورات التي ينظمها مركز التدريب الاعلامي في مؤسسة «البيان»، ولم اره لانه تراسل معنا بالفاكس، ولم ألتق به الا في يوم افتتاح الدورة، وإذا بشاب ضئيل الجسم خفيف الوزن يسعى الى قاعة المحاضرات على مقعده المتحرك، وهممت لأشرع في مساعدته ولكنه رفض في ادب شديد وقاد نفسه في ثقة الى القاعة. وبعد فترة قصيرة نشأ بيننا نوع جميل من التواصل الانساني، وتوثقت العلاقة بيننا بسرعة وحاولت مراراً ان اقدم له بضع مساعدات اثناء وجوده في المحاضرات لمدة اسبوعين، ولكنه ظل متمسكا بممارسة كل شيء بنفسه، وفي اعتقادي ان بقية زملائي والمشتركين في الدورة كانوا يحملون نفس الشعور في قلوبهم. وذات يوم تصادف ان التقينا على مدخل صحيفة «البيان»، واذا بي اراه قادما بسيارته التي يقودها بنفسه والمهيأة خصيصا لذوي الاحتياجات الخاصة، وفتح الشاب باب سيارته وانزل مقعده المتحرك وانزل نفسه معتمدا على منكبيه، رافضاً مرة اخرى الايدي التي امتدت لكي تساعده. وكنت اشعر بإعجاب شديد بهذا الشاب الشجاع الذي لم تمنعه اعاقته من ممارسة حياته اليومية بإصرار وعزم جديرين بالاعجاب فعلا، ولم يستسلم او يلجأ الى التباكي على حظه. وعلى مدار الاسبوعين اللذين تصادقنا فيهما كانت تدور بيننا مناقشات حول قضايا الوطن العربي التي نعيشها جميعا لحظة بلحظة، وأردت ان اتعرف منه على عالمه الخاص وعالم غيره من اصحاب الاحتياجات الخاصة. كان هذا الشاب المثقف الواعي يتحدث وكأنه يحمل هموم اقرانه، وفهمت منه كيف اصبحت دول كثيرة في العالم تهتم بالمعوقين او من فضلت تلك الدول ان تطلق عليهم اسم «ذوي الاحتياجات الخاصة»، وقلت له: ولكنني الاحظ تزايد الاهتمام في دولة الامارات بكم وبإنشاء نواد خاصة لكم مثل نادي الثقة. وأمّن الشاب على قولي ولكنه نبهني الى امر هام جداً وهو ان الاهم من النوادي هو مراعاة احتياجات هؤلاء الشباب بخلق بيئة صالحة لمواجهة تلك الاحتياجات مثل مراعاة التصاميم الخاصة بالبيئة العمرانية لتسهيل الحركة عليهم، وتوفير حق العمل وفرصه لهم وكذلك حق التعليم. ومن الامور الهامة الاخرى ايضاً توفير التأهيل والتدريب لذوي الاحتياجات الخاصة لمساعدتهم على التأهل لممارسة اعمال ووظائف ومهن تتناسب مع نوع اعاقاتهم. وعندما اشار صديقي الشاب اثناء حديثه الى مراعاة وضع تصميمات خاصة بهم في البيئة العمرانية للمدينة، تذكرت على الفور كيف يعاني هذا الشاب عند دخول مبنى مؤسسة «البيان» على مقعده المتحرك بالرغم من ان المدخل الخارجي ليس به الا درج صغير من عتبتين رخاميتين وان ارتفاعهما قليل. وكان لحديثه الفضل في تحرك ادارة المؤسسة على الفور لتكليف العمال بصناعة مهبط خشبي على جانب المدخل يساعده على الصعود بعجلات مقعده والهبوط من الدرج في يسر وسهولة. وكنت على وشك الكتابة مطالبا جميع المؤسسات العامة والخاصة بأن تضع في اعتبارها ما ذكره هذا الشاب الشجاع في السطور القليلة لخواطرنا السريعة، وعندئذ قرأت اخباراً طيبة تكشف مدى الاهتمام الرسمي، ففي يوم واحد هو الرابع والعشرون من الشهر الجاري طالعتنا اخبار عن افتتاح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة لمخيم الامل لذوي الاحتياجات الخاصة والذي تنظمه مدينة الشارقة للخدمات الانسانية، وكذلك خبر عن الاحتفال بتخريج الدفعة الاولى من المتدربين في مركز وزارة الداخلية لتأهيل وتشغيل ذوي الاحتياجات الخاصة الذي انشأته الوزارة مؤخراً في مدينة العين. ومما يثلج الصدر انني لاحظت ان عدد الخريجين والخريجات بلغ اربعة وثلاثين، وعندئذ تمثلت في خاطري براعة التسميات التي اطلقت على بعض المواقع الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة مثل «الثقة» و«الامل».