الاثنين 24 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 27 يناير 2003 قرية في وادي النيل بمصر اسمها «شارونة» تنادى سكانها في الفترة الأخيرة مطالبين بتغيير اسمها.. وعندما سألهم المسئولون عن الاسم الجديد الذي يفضلونه أجابوا قائلين: أي حاجة بعيدا عن الاسم البغيض الشرير المنسوب الى المدعو «ارييل.. شارون». لا ندري هل انتصر رأي المطالبين بتغيير الاسم المذكور أعلاه.. أو انتصر رأي المتعقلين الذين قالوا بضرورا التمسك باسم قريتهم الأثيرة لأنه جزء من تاريخها.. أما شارون.. الارهابي.. مجرم الحرب الصهيوني.. فهو في التحليل الأخير فرد.. مجرد رقم في طريقه يوما ـ نرجو أن يكون قريبا ـ الى أن ينمحي من سجلات الأحياء ولكي يندرج في أسوأ وأخبث سجلات التاريخ. صحيح أن أهل القرية المصرية لا تربطهم صلة من قريب ولا من بعيد برئيس حكومة العدو الاسرائيلي ولكنهم عرب قبل كل شئ وبشر قبل أي شئ.. والأكيد أنه مازالت تؤرقهم وتقض مضاجعهم سلوكيات «إرهاب الدولة» التي ينتهجها شارون وعصابته الحاكمة في الأرض الفلسطينية المغتصبة والمحتلة وكلما رددوا اسم قريتهم التي عرفوها وأحبوها.. جاشت ولاشك في نفوسهم مشاعر من سخط أو غضب ظلت مكتومة مثل مرجل يغلي الى أن فاض الكيل بهم الى حد المطالبة بتغيير اسم القرية وهي البريئة ـ بداهة ـ من أفاعيل المدعو ارييل شارون. هي نفس البراءة التي ارتبطت باسم مطعم كنا نحبه ونتردد عليه في قلب مانهاتن في نيويورك كان صاحبه من ايطاليا وكان يقدم أشهى الوجبات التي يتميز بها المطبخ الايطالي بأصنافه التقليدية.. بل التراثية الأصيلة التي تنتمي الى اقليم توسكانيا حيث جنات من كروم وأعناب أو اقليم لومبارديا حيث القمح وأشهى أنواع الخبز الطازج كان صاحب المطعم يعتز بلافتة كتب عليها أن الخبز الذي تتناوله سيادتك مصنوع داخل محلنا.. ومن ثم يلزم التنويه الى أطباق الاسباجتي على تنويعات لحنية مختلفة من نابولي الى فلورنسا الى روما.. عاصمة الرومان في قديم الزمان. ربما كانت ميزة المطعم أنه كان قريبا من موقع عملنا لسنوات طويلة في مقر الأمم المتحدة الذي كان في الشارع الرئيسي رقم واحد فيما كان المطعم يقع في الشارع الرئيسي رقم اثنين.. وكان اسم المطعم هو «باباراتزي» وحين سألنا المديرة وكانت بالصدفة زوجة صاحب المكان ذكرت فتواها ـ أبقاها الله ـ أنهم استقوا الاسم من «بابا راتزو» وهو اسم إحدى شخصيات فيلم الحياة اللذيذة «لا دولشي فيتا» الذي أخرجه العبقري الايطالي فيلليني عام 1960 على ما تعي الذاكرة.. وإذ أصبح الفيلم أحد الأعمال الكلاسيكية في تاريخ السينما العالمية.. بقيت في الذاكرة الجمعية أسماء شخصياته ومنها السيد «باباراتزو» المذكور أعلاه وكان يعمل ـ في الفيلم ـ مصورا متجولا.. أي أرزقيا يلتقط لقمة عيشه بالتقاط «مناظر» للناس على أرصفة الشوارع في حواضر ايطاليا ومدنها الاقليمية الصغيرة. وحين تعاطف المشاهدون مع المصور الطيب الفنان البسيط الذي كان يعيش ـ كما ألمحنا ـ على باب الله تماما كما تعاطف المشاهد العربي مؤخرا مع الفنان أحمد زكي في أحد أدواره التي كان يعمل فيها مصورا «رصيفيا» كما قد نقول ـ فقد أطلقوا اسم بابا راتزو على أي مصور.. أرزقي.. غلبان قد يمارس مهنته على الرصيف.. وقد تدفعه الحمية المهنية الى أن يتسلق الأسوار ويرتقي الجدران فربما يجود عليه الزمان بلقطة نادرة تصلح للنشر في كبريات الصحف العالمية.. ويومها تهبط ثروة غير متوقعة من سماء الحظ السعيد على المصور إياه خاصة اذا كانت لقطة استثنائية.. مثيرة.. أو بليغة الدلالة.. لنجمة اغراء شهيرة أو ملياردير عظيم الشأن.. أو سياسي يشار له بكل بنان. هكذا حمل أهل مهنة التصوير الأرزقي اسم «باباراتزي» وهي صيغة الجموع في الايطالية وأصبح الاسم الجمع علامة على تلك المهنة مكتسبا بذلك دلالة «كانت ايجابية» بمعنى المصور الشوارعي الفنان المتحرك في حيوية وخفة ورشاقة وسرعة بديهة وذكاء بحثا عن لقطة استثنائية أو عن ومضة فلاش تكشف للناس ما قد تخفيه الجدران.. وقد استخدمنا عبارة «كانت ايجابية» لأنها لم تعد كذلك بعد حادثة مصرع الأميرة البريطانية «ديانا».. وبصرف النظر عن الملابسات.. ولأن الانجليز شاءوا أن يحولوا ديانا الى رمز أحبوه الى درجة العشق الجماهيري.. حتى لكأنهم رفعوها الى ما يشبه القداسة كما يلمح كاتب أميركي من أصل هندي وكان زميلا لنا في الأمم المتحدة هو «شاشي ثارور» ـ فقد شاء الوجدان الجماهيري أن يلقي باللوم في مصرع ديانا، لا على طيش من جانبها أو رعونة من جانب سائقيها.. ولكن على أنها المسكينة كانت تريد أن تهرب من الباباراتزي.. هؤلاء المصورين الذين كانوا يطاردونها ويحاولون التلصص أو التجسس ـ قاتلهم الله ـ على خصوصياتها وقد ينصبون لها ـ المسكينة ـ الكمائن والحبائل والشراك الخداعية تحت الجدران وفي زوايا الشوارع الخلفية وفي أروقة الفنادق ومن أركان سيارات عتيقة أحدقت بمكان تواجد الأميرة التعيسة كل ذلك ليفوز الباباراتزي بلقطة حميمة.. استثنائية لديانا على شط البحر أو في لباس الاستحمام أو في لحظة عناق متوهجة بغرام مشبوب ومستور.. تبا لهؤلاء الباباراتزي.. هكذا كتب المحللون وهكذا أدان القراء والمشاهدون.. بعدها تحول الاسم ليصدق على طائفة ملعونة من المصورين الذين يلاحقون الناس دون أن يأذن لهم أحد ولا يوافق على تطفلهم عائل أو مسئول.. هكذا ضاعت إيجابية زمان.. وتحول الاسم الى حيث اكتسب نكهة سلبية سرعان ما حاقت لعنتها بمطعم باباراتزي الذي كنا نفضله قريبا من الأمم المتحدة بالشارع الثاني في نيويورك.. وفجأة أقفر المطعم من رواده وفقد رونقه الذي كان.. وتخلى عن ارتياده الطاعمون.. والعجيب أن صاحب المطعم حاول تغيير الاسم وخلع على المكان أسماء شتى.. ولكن هيهات.. ومن عجب أيضا أن حاول البعض منا مواصلة زيارة المطعم وتهدئة خواطر الست المديرة وهي أيضا الشريكة العتيدة في ملكية المكان إلا أننا كنا نشعر بسيادة جو غريب من الكآبة والقتامة.. كان المطعم يشتهر بجدرانه الزجاجية تجلس الى موائده وتقدم لك أصناف الباستا وتقتحم الخياشيم رائحة الثوم المحمّر في زيت الزيتون الطلياني وتطمئن الأنامل ـ في عز الزمهرير ـ الى سخونة الخبز المجمّر داخل الفرن الخصوصي وقد فاح منه عبير الزعتر.. كل ذلك وأنت تتابع ـ إن شئت ـ حركة السائرين على الأقدام أو تدفق السيارات من كل صنف.. وقد تراودك ولو لحظة خاطفة مشاعر غريبة ـ طفولية في بعض الأحيان إذ هي مزيج من زهو أو شماتة لأنك تنعم دون السائرين بطعام لذيذ.. وهم لا ينعمون! راح هذا كله.. ولم يبق إلا الاسم الذي لم يعد يروق لأحد ولا نفعت وصفة الأسماء الجديدة التي أذيعت، ولا اللافتات المتغيرة التي رفعت فوق هامة المكان هكذا نفذ سهم القضاء في مصير المطعم الايطالي.. وجاء اليوم الذي رفعوا فيه لافتة فوق المطعم تقول بأنهم أغلقوا الأبواب وسرّحوا العمال وأعلنوا الافلاس طبقا للمادة رقم كذا من القانون رقم كذا.. ولله عاقبة الأمور. وكان السبب كما قلنا هو تلك السلسلة من الملابسات التي بدأت من سينما فيدريكو فيلليني عام 1960 وتوالت حلقاتها مع مصرع ديانا في أواخر عقد التسعينيات. لكن سلسلة الأسماء مازالت متوالية الحلقات.. ولعل أبرز حلقاتها أسماء دخلت الى القاموس العالمي ومازالت تعيش في الذاكرة المعاصرة.. أسماء من قبيل بويكوت بمعنى الحصار والمقاطعة، أو لينش بمعنى الظلم ومجافاة القانون، ناهيك عن جيلوتين وهي السكين.. المقصلة التي سقطت على شفرتها رؤوس كثيرة في بلاد الفرنسيس.. لكل من تلك الأسماء وغيرها حكاية حقيقية.. وطريفة.. تستحق أن تروى.. ومن ثم فالحديث موصول.